Wednesday , 14 October 2026 KTM College
Literature

التناص القرآني وبناء الرؤية الشعرية في ديوان عمر بهاء الدين الأميري

30-September-2026 Download
د. أبوبكر. بي.يو
أستاذ مساعد، قسم اللغة العربية، كلية كى تي يم للدراسات المتقدمة، مالابرام، كيرالا
Volume No : 6
Issue No : 3

 يسعى هذا البحث إلى استكشاف ظاهرة «التناص القرآني» في التجربة الشعرية للشاعر السوري عمر بهاء الدين الأميري، بوصفها رافدا بنائيا ودلاليا مركزيا يسهم في تشكيل رؤيته الفنية والإيمانية للعالم والإنسان والوجود. وينطلق البحث من الإشكالية المتمثلة في كيفية انتقال الشاعر من الاستدعاء الحرفي للفظ القرآني إلى مستوى الصهر الدلالي والجمالي داخل النسيج الشعري المعاصر. وباعتماد المنهج التحليلي التكاملي المستند إلى آليات نظرية التناص النقدية الحديثة ومفهوم الاقتباس البلاغي القديم، يقوم البحث بفحص عينة تطبيقية مختارة من ديوانه، متتبعا مستويات التناص (اللفظي، والإشاري، والأسلوبي)، ومبينا دورها في تجاوز القلق الوجودي وصياغة الرؤية الرسالية الملتزمة.

• الكلمات المفتاحية: التناص القرآني، عمر بهاء الدين الأميري، الشعر العربي المعاصر، الرؤية الشعرية، التحليل الأسلوبي.
Keywords: Quranic Intertextuality, Omar Baha al-Din al-Amiri, Modern Arabic Poetry, Poetic Vision, Diwan Ma'a Allah, Islamic Literature.

المقدمة

تُمثّل بنية النص الشعري العربي المعاصر حقلا معرفيا وجماليا تتفاعل في داخله أصداء المرجعيات التراثية والدينية، مشكلة ما يعرف في الدراسات النقدية الحديثة بـ"التناص" (Intertextuality)؛ إذ لا ينشأ النص في فضاء لغوي معزول، بل يتخلق عبر حوار مستمر مع نصوص سابقة تمنحه طاقته الإيحائية وعمقه الدلالي. ويحتلّ النص القرآني صدارة تلك المرجعيات في الوجدان الإبداعي العربي؛ لما ينطوي عليه من إعجاز أسلوبي، وثراء معجمي، وإشراق تصويري ورمزي يتجاوز حدود الزمن ليغذي الرؤية الشعرية للمبدعين.
وفي طليعة شعراء الاتجاه الإسلامي والإنساني في العصر الحديث يبرز الشاعر عمر بهاء الدين الأميري (1916–1992م)، الذي ارتبطت تجربته الإبداعية بمشروع رسالي متكامل ينظر إلى الشعر بوصفه معراجا للارتقاء الروحي وأداة لترسيخ قيم الحق والجمال والإخبات المطلق للخالق. ولم يكن استدعاء الأميري للآيات والتراكيب القرآنية في شعره مجرد زينة لفظية أو استشهاد وعظي عابر، بل شكل القرآن الكريم العمود الفقري لبناء قصيدته ورؤيته الكونية، حيث تتشابك في خطابه مشاعر المعية الإلهية، واليقين الراسخ، والتضرع الإنساني الخالص في مواجهة تقلبات الواقع وأزمات العصر.

إشكالية البحث وأسئلته
تكمن إشكالية البحث في مساءلة الكيفية الجمالية التي استطاع من خلالها عمر بهاء الدين الأميري صهر المادة القرآنية — بألفاظها وقصصها وأساليبها التركيبية — داخل البنية الوزنية والدلالية لقصيدته دون الإخلال بخصوصية النظم الشعري أو تحويله إلى تقريرية خطابية مباشرة؛ ومن ثم استكشاف أثر هذا الاستدعاء في إنتاج دلالات جديدة تعكس موقفه الفكري والروحي.
ويتفرع عن هذه الإشكالية المركزية عدد من الأسئلة البحثية:
1. ما أبرز مستويات التناص القرآني الحاضرة في مدونة الأميري الشعرية (التناص اللفظي والعباري، التناص الإشاري والمفهومي، والتناص الأسلوبي)؟
2. كيف وازن الشاعر بين أصالة المتن القرآني المقتبس ومقتضيات الوزن والقافية والنسق الشعري الحديث؟
3. إلى أي مدى أسهم التناص القرآني في بناء نبرة اليقين الروحي وصياغة الرؤية الشعرية الكلية لدى الشاعر؟

أهداف البحث وأهميته
يهدف هذا البحث إلى:
• تفكيك شبكة العلاقات التناصية بين شعر الأميري والنص القرآني الشريف ورصد تقنياتها التعبيرية.
• إبراز الخصوصية الأسلوبية لشعر الأميري في التعامل مع النص الديني مقارنة بالشعر الوعظي التقليدي.
• الكشف عن الوظيفة التداولية والرؤيوية التي يؤديها التناص في تعزيز رسالية الأدب الإيماني المعاصر.
وتتجلى أهمية الدراسة في كونها تسد ثغرة نقدية هامة تتجاوز القراءات المضمونية والأخلاقية السائدة لأشعار الأميري، لترتقي إلى مستوى التحليل البنيوي والأسلوبي المقارن القادر على إبراز فرادته الفنية في بيئة الأدب العربي الحديث.

منهج البحث وإجراءاته
ينتهج البحث المنهج الوصفي التحليلي التكاملي، مستعينا بأدوات نظرية التناص المقارن كما تبلورت في النقد الحديث (لدى باختين، وكريستيفا، وجيرار جينيت)، مع الاستفادة من مقولات البلاغة العربية التراثية في بابي "الاقتباس" و"التضمين". ويقوم التحليل الإجرائي على رصد الشاهد الشعري، وتحديد أصله القرآني، وتحليل التبدلات التركيبية والدلالية التي طرأت عليه، وصولاً إلى تأويل أثره في بناء الدلالة الكلية للنص.

حدود البحث وعينته
• الحدود الموضوعية: تقتصر الدراسة على رصد وتحليل مظاهر التناص مع القرآن الكريم حصرا، ودورها في بناء الرؤية الشعرية.
• الحدود المكانية/النصية (عينة الدراسة): اختيرت نصوص ممثلة من ديوانه الشهير "مع الله" بوصفه الأنموذج الأصفى والأكثف للتجربة الروحية والإيمانية عند الشاعر، مع الاستئناس ببعض الشواهد الدالة من دواوينه الأخرى كلما اقتضى السياق التحليلي.

المحور الأول: التناص القرآني: المفهوم، والآليات الفنية، وبنية المعجم الإيماني
أولا: التقعيد النظري لمفهوم التناص بين النقد الغربي الحديث والموروث البلاغي العربي
شهدت الدراسات النقدية واللسانية في النصف الثاني من القرن العشرين تحولا جذريا في مقاربة النصوص الأدبية، حيث انزاح الاهتمام من سلطة المؤلف وسياقاته التاريخية الخارجية إلى بنية النص الداخلية وعلاقاته التفاعلية المتشابكة مع غيره من النصوص. وفي هذا الفضاء المعرفي، تبلور مفهوم "التناص" (Intertextuality) بوصفه قانونا بنائيا حتميا تتخلق بموجبه النصوص الأدبية؛ إذ لا وجود لنص إبداعي يولد من فراغ مطلق أو ينغلق على ذاته انغلاقاً كلياً، بل يتشكل كل نسيج لغوي من تقاطعات ورواسب لنصوص سابقة يعاد تمثلها وهضمها وصهرها في سياق تشكيلي جديد .
وقد اقترن التأصيل الاصطلاحي الأول لمفهوم التناص بالناقدة والمنظّرة البلغارية–الفرنسية جوليا كريستيفا (Julia Kristeva) في أواخر ستينيات القرن العشرين، مستلهمةً ومطورةً أطروحات اللغوي والمنظر الروسي ميخائيل باختين (Mikhail Bakhtin) حول "الحوارية" (Dialogism) وتعدد الأصوات في الخطاب الأدبي. رأت كريستيفا أن النص ليس مساحة خطية مغلقة ذات معنى أحادي، بل هو عبارة عن "لوحة فسيفسائية من الاستشهادات، وكل نص هو تشرب وتحويل لنصوص أخرى" . ومن هذا المنظور، غدا النص الشعري فضاء حواريا مفتوحا تتفاعل فيه الكلمات والأصداء؛ حيث تمتص الذات الشاعرة نصوص الذاكرة الجمعية وتفكك أطرها التعبيرية السابقة لتصوغ منها رؤيتها الفنية والوجودية المعاصرة.
ثم تولى الناقد البنيوي الفرنسي جيرار جينيت (Gérard Genette) في كتابه المرجعي Palimpsestes (أطراس)، تفصيل الجهاز المصطلحي لهذه الظاهرة وتجريد آلياتها الإجرائية؛ إذ أدرج التناص ضمن ما أسماه بـ"المعمارية النصية" أو "جامع النصوص" (Transtextuality)، معرّفا التناص في دائرته الإجرائية المباشرة بأنه: "علاقة حضور متزامن بين نصين أو عدة نصوص؛ أي الحضور الفعلي لنص ما داخل نص آخر" . وقد حدد جينيت مستويات هذا الحضور النصي في ثلاثة أشكال رئيسة تتفاوت في كثافتها ووعي القارئ بها:
1. الاستشهاد والاقتباس الحرفي (Citation): وهو إيراد النص الأصلي بصيغته الحرفية الصريحة مع إحاطته بعلامات تنصيص وإحالة توثيقية واضحة.
2. السرقة الأدبية (Plagiat): وهي أخذ نصوص الغير دون إشعار أو عزو، وهو ممارسة تخرج عن القصدية الجمالية للتناص المشروع.
3. التلميح والإلماع (Allusion): وهو استحضار نص سابق غير مباشر يتطلب جهداً تأويلياً من المتلقي وخبرة تراثية لإدراك التقاطع المضمر بين النص الحاضر والغائب .
وحين الالتفات إلى التراث النقدي والبلاغي العربي القديم، نجد أن جوهر الظاهرة التناصية لم يكن بعيداً عن وعي علماء العربية ونقادها؛ إذ تنبهوا مبكراً إلى أن كل إبداع شعري يستند بالضرورة إلى خزانة شعرية ونثرية راسخة في الذاكرة. وقد تدرج هذا الوعي في التراث البلاغي عبر دراسات «سرقات الشعراء»، و«الأخذ والاتباع»، و«المواربة»، حتى استقر اصطلاحيا في باب «المحسنات المعنوية واللفظية» ضمن علم البديع تحت ثلاثة مصطلحات دقيقة:
• الاقتباس: وهو أن يُضمّن الكاتب أو الشاعر كلامه نظماً أو نثراً فصلاً من القرآن الكريم أو الحديث النبوي الشريف من غير أن يُصرّح بأنه منهما، ليضفي على نصه طاقة دلالية وجلالاً بيانياً .
• التضمين: وهو أن يُدرج الشاعر في تضاعيف أبياته بيتاً كاملاً أو شطراً من شعر غيره لغرض بياني محدد مع اتكائه على شهرة الأصل .
• التلميح والإشارة: وهو أن يُشير المتكلم في سياق شعره إلى قصة مشهورة، أو آية دالة، أو مَثَل سائر دون الإفصاح عنه صراحة؛ اتكالاً على فطنة السامع وفهمه لحيثيات الإلماع.
بيد أن التحليل المقارن يكشف عن فارق منهجي بين المنظورين: فبينما غلب على المعالجة البلاغية القديمة الطابع الشكلي والزخرفي الذي ينظر إلى الاقتباس بوصفه حِلية بديعية خارجية تُجمّل عجز البيت أو صدره، تجاوز النقد الحديث ذلك المفهوم التزييني ليجعل التناص طاقة إنتاجية واستراتيجية بنيوية ورؤيوية تكشف عن عمق تفاعل المبدع مع مرجعياته الحضارية وقضاياه الوجودية الكبرى .
ثانيا: خصوصية التناص القرآني في النص الإيماني المعاصر
لا يمثل التناص مع القرآن الكريم مجرد استدعاء لنص تاريخي أو موروث أدبي شأنه شأن بقية المتون البشرية؛ فالنص القرآني هو «المتن المركزي المهيمن» (The Master-Text) في المنظومة الفكرية والوجدانية العربية والإسلامية؛ نظراً لما يكتنفه من قداسة عقدية تنزيهية وإعجاز بياني مطلق.
وعندما يخوض الشاعر الإسلامي المعاصر تجربة استدعاء النص القرآني، فإنه يدخل في موازنة إبداعية بالغة الدقة تتطلب مهارة فنية عالية لئلا تفقد القصيدة طابعها الشعري. وتتجلى خصوصية هذا التناص في جملة محددات نقدية:
1. سلطة القداسة ومأزق الصهر الإبداعي
يمتلك المتن القرآني جلالة لغوية وهيبة تصويرية تأسر ذهن القارئ المسلم وتثير وجدانه فور سماعها. لذا، فإن الشاعر الإيماني يواجه تحدياً جمالياً معقداً: فإذا أورد الآية أو التركيب بصورة حرفية تقريرية قد يسقط النص في «الخطابية الوعظية» المباشرة ويفقد الشعر وهجه الفني؛ أما إذا استطاع صهر النص القرآني في بواتق تجربته الذاتية وتحويل طاقته الروحية إلى دلالات شعرية متجددة، فإنه يحقق أرقى درجات التناص الخلاق الذي يجمع بين هيبة المقتبس وحداثة التعبير .
2. الوظيفة التداولية والحجاجية (Pragmatic Dimension)
ينبثق التناص القرآني في الشعر المعاصر من وظيفة تداولية ذات بعد إقناعي وتأثيري عميق في نفس المتلقي؛ فالإنسان العربي مشبع بنبرة القرآن ومعانيه، ومن ثم فإن استدعاء الألفاظ القرآنية يُسهم في إرساء جسور التواصل الوجداني الحميم بين المتكلم والمخاطب، ويمنح المقولات الشعرية سلطة يقينية وحجة روحية قطعية ترتقي بالرؤية الشعرية وتُكسبها رسوخاً وثباتاً .
3. كسر التيه وتشييد فضاء اليقين
بينما مال كثير من شعراء الحداثة في العصر الحديث إلى استدعاء الأساطير الإغريقية والشخصيات التراجيدية (كسيزيف وبروميثيوس) للتعبير عن العبث والضياع والأزمة الوجودية في الواقع المعاصر، اتجه الشاعر الإيماني إلى التناص القرآني بوصفه وسيلة لتجاوز التمزق النفسي وبناء فضاء الطمأنينة والأمان الروحي؛ فالمعاناة النفسية تُقابل بآيات الصبر والسكينة، وأزمات الأمة تُستحضر لها دلالات النصر واستخلاف المستضعفين، مما يجعل التناص أداة لبناء الأمل والتفاؤل الرسالي الفاعل .
ثالثا: طبيعة المعجم القرآني عند عمر بهاء الدين الأميري
يعد عمر بهاء الدين الأميري (1916–1992م) من الطليعة التي قادت مسيرة «الأدب الإسلامي» في القرن العشرين، وشاعراً نشأ في بيئة علمية وإيمانية متينة بمدينة حلب، فتغذت روحه منذ بواكير طفولته بتلاوة كتاب الله والتعلق ببيانه المعجز، حتى صار القرآن الكريم نسيجاً في عقله الباطن ومحركا رئيسا لأخيلته وصوره البيانية .
ولم يكن حضور القرآن في دواوين الأميري—ولا سيما ديوانه «مع الله» وغيره كـ «قلب ورب» و«أذان القرآن» و«حجارة من سجيل»—مجرد تضمين سطحي، بل تخلّق عبر معجم إيماني ذي خصائص فنية ومعنوية فريدة:
1. الحقول الدلالية والمهيمنات المعجمية
تتوزع الألفاظ القرآنية في شعر الأميري وفق شبكة دلالية متسقة مع فلسفته الإيمانية، وتتفرع إلى حقول كبرى أهمها:
• حقل المعية والشهود النوراني: وتطوف به ألفاظ مشتقة من أفق التأمل القرآني في الكون والخالق؛ نحو: (السبحات، لمحات البصر، السنا، نور السماوات والأرض، انفلاق الفجر، قبس، دجى الليل، آيات). وتؤدي هذه المفردات وظيفة الانتقال بالوجدان من إدراك المحسوس إلى شهود عظمة الخالق اللامرئي .
• حقل التضرع والعبودية والمناجاة: وتتردد فيه تراكيب القرآن الدالة على الإخبات والتذلل للربوبية؛ مثل: (زفرات الحشا، السجود، السحر، التبتل، الأوّاه، الاستغفار، الرضوان، التوكل).
• حقل الصمود والابتلاء والجهاد: ويتجلى بوجه خاص في قصائده الداعية لتحرير القدس ومقارعة الظلم؛ مستلهماً المعجم الحماسي المستمد من نصوص الوحي؛ مثل: (حجارة من سجيل، بؤس ونعمى، العزم، منقلب الظالمين، البأساء والضراء .
2. الانسجام الإيقاعي والصهر العروضي
يتميز توظيف الأميري للمعجم القرآني بحساسية أسلوبية بالغة لمتطلبات الوزن العروضي والروي؛ فهو لا يقتبس اللفظ القرآني قسراً بطريقة تربك التدفق الموسيقي للبيت، بل ينتقي الألفاظ ذات الأجراس المتجانسة مع التفاعيل، محاكياً في كثير من الأحيان الفواصل القرآنية ونظمها الداخلي؛ كما يتجلى في قوله متناصاً مع آية النور ومعاني الخضوع الإيماني:
كابد الوجد بالذي لا تراه الـ ... ـعين، واجعل سبيل قربك سجدة
هو نـور السمـاء والأرض فاقبـس ... منه، واقدح بـه لروحك زنـدة .
فقد صهر الشاعر المعنى القرآني الوارد في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: 35]، في قالب عروضي مفعم بالتدفق الشعوري والسلاسة البيانية، مؤكداً استيعاب وزنه لمعنى الوحي دون تصنع أو تكلف.
3. التوازن بين جزالة المتن وسهولة التعبير المعاصر
استطاع الأميري أن يتجنب الغريب والحوشي من المفردات القديمة دون أن يتنازل عن فصاحة اللفظ القرآني ورصانته؛ فجاءت قصيدته ممثلة لأسلوب «السهل الممتنع». إنها لغة شعرية حديثة ورقيقة لكنها مشدودة إلى متانة القرآن وحلاوة عبارته، مما أضفى على شعره نبرة نورانية مميزة تنأى عن الجفاف الفكري، وتسمو به فوق التكلف الزخرفي إلى رحاب الصفاء الروحي والبياني.

المحور الثاني: أنماط التناص القرآني في شعر الأميري
يمثل المتن الشعري لعمر بهاء الدين الأميري حقلا تطبيقيا ثريا لمعاينة تفاعل النص المعاصر مع المتن القرآني؛ إذ لا يقف التناص عنده عند حدود الاستعارة المعجمية السطحية، بل يتشكل عبر مستويات بنائية ودلالية متكاملة تتراوح بين الحضور اللفظي الصريح، والإلماع الرمزي التضميني، والمحاكاة الأسلوبية التوليدية. وتتوزع هذه الممارسات التناصية على ثلاثة أنماط رئيسة:
أولا: التناص اللفظي والعباري (المباشر / الامتصاص)
يقصد بالتناص اللفظي استدعاء الشاعر لتراكيب أو جمل قرآنية بنصها وصيغتها الأصلية، وصهرها داخل البيت الشعري مع الحفاظ على سلامة الوزن العروضي والانسجام الموسيقي والقافوي. وتكمن المهارة الفنية في هذا النمط في قدرة الشاعر على تفادي النتوء اللفظي، بحيث لا تبدو العبارة المقتبسة غريبة عن لغة القصيدة بل جزءا أصيلا من تدفقها الشعوري .
1. تطويع الآيات التوحيدية في سياق الشهود الكوني
في قصيدته الشهيرة "مع الله"، يتناول الأميري مفاهيم الاستغراق في ملكوت الله، مستعيدا عبارات قرآنية محكمة ترسم حركة الوجود. يقول في مناجاته الكونية:
مع الله في الفلك المستطير
وفي الشمس تجري لمستقر
مع الله في البحر ملح أجاج
مع الله في سلسبيل النهر .
إن هذا المقطع يمثل امتصاصا دقيقا لتراكيب قرآنية متعددة؛ فشطرة "وفي الشمس تجري لمستقر" تستدعي مباشرة قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [يس: 38]. ولم يكتف الشاعر باقتباس اللفظ، بل طوع التركيب القرآني في بحر الرجز (مستفعلن مستفعلن)، وجعل حركة الشمس الفلكية دليلا على المعية الإلهية الدائمة.
ثم يعقب ذلك باستحضار تقابل الماءين في قوله: "ملح أجاج" و"سلسبيل"، وهو تناص مباشر مع الآية الكريمة: ﴿وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ [الفرقان: 53]، وقوله تعالى: ﴿عَيْناً فِيهَا تُسَمَّىٰ سَلْسَبِيلاً﴾ [الإنسان: 18]. وقد أسهم هذا الاقتباس الحرفي في شحن النص بطاقة بلاغية قائمة على الطباق الوجودي بين العذوبة والملوحة، مؤكدا أن قدرة الله سارية في المتناقضات الكونية .
2. الاقتباس في سياق مجاهدة النفس وحفظ النور الإلهي
وفي مقام التحذير من وساوس الشيطان ومكايد النفس الأمارة، يوظف الأميري التناص اللفظي لبيان سوء عاقبة اتباع الضلال، فيقول:
يحاول شيطاني اخترام عبادتي
وإحباطها، والله أكرم من ذلك
وتمنية الشيطان مدحضة خلب
وخب، ومن يتبع خطى زوره هالك .
يتناص الشاعر هنا لفظيا مع التحذير القرآني الصريح المتكرر في كتاب الله: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ [البقرة: 168]. لقد حول الأميري لفظ "خطوات" إلى "خطى زوره" ليتسق مع روي الكاف في بحر الطويل، منبها عبر الطاقة التداولية للنص الأصلي إلى أن مكر إبليس يبدأ بالاستدراج التدريجي، ومؤكدا أن الاعتصام بالمعية الإلهية هو الحصن الأوحد من هذا الانزلاق .
ثانيا: التناص الإشاري والمفهومي (غير المباشر / التلميح)
يتجاوز التناص الإشاري النقل الحرفي للألفاظ إلى مستوى أكثر عمقا وتعقيدا؛ حيث يستحضر الشاعر القصص القرآني، والمواقف النبوية، والرموز الدينية الكبرى عبر التلميح والإيماء (Allusion). ويتحول الرمز القرآني في هذا النمط إلى معادل موضوعي يفسر به الشاعر أزماته النفسية، وآلام مرضه، وتطلعات أمته السياسية والجهادية .
1. استحضار نموذج يونس وأيوب في معالجة الابتلاء والجسد الواهن
عاش الأميري حياة حافلة بالعلل والأسقام وتفاقم أمراض القلب والجسد في خريف عمره؛ ولم تكن شكوته الشعرية تبرما أو جزعا، بل كانت محاكاة إيمانية لمواقف الأنبياء في مواجهة الابتلاء والضنى. يقول متأملا حلكة الليالي ووطأة الوجع:
كلما أمعن الدجى وتحالك
شمت في غوره الرهيب جلالك
وتراءت لعين قلبي برايا
من جمال، آنست فيها جمالك .
ثم يقول في موضع آخر كاشفا عن حقيقة الانعتاق من الضيق:
فإذا أشرق اليقين على المرء
فنادى في الكرب يا الله
أصبح الهم قربة وسكونا
الرضا بالقضاء رجع صداه
وتجلى الرحمن بالعزم والتثبيت
فالمرء صابر أواه .
هذا البناء المشهدي يستبطن تناصا إشاريا مكثفا مع دعاء نبي الله يونس عليه السلام في ظلمة اليم وبطن الحوت: ﴿فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 87]، ومع صبر أيوب عليه السلام الذي وصفه الحق بقوله: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِّعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: 44].
لقد تقاطعت مفردات "الكرب"، و"الدجى وتحالك"، و"صابر أوّاه" لتخلق جسرا وجدانيا بين تجربة الشاعر الذاتية وتجربة الأنبياء التاريخية؛ فالظلمة عند الأميري ليست فضاء للخوف، بل خلوة للشهود الإيماني، والنداء باسم الجلالة هو مفتاح انقشاع الغمة وتحول الألم إلى قربى ومحبة .
2. استدعاء المعية الموسوية في ملحمة المواجهة والصمود
وفي ديوانه "حجارة من سجيل" وشعره المقاوم حول فلسطين والانتفاضة، يوظف الأميري التناص الإشاري المستند إلى استعلاء الإيمان في مواجهة قوى الطغيان، مستلهما ثبات موسى عليه السلام أمام البحر وجنود فرعون:
يا أمة القرآن مهبط هدينا
والفجر آت لا محالة يشرق
مهما ادلهم الليل واسود الدجى
فالحق منصور ونوره يخفق .
يحيل هذا التوجيه الشعري إلى الحوارية القرآنية الخالدة بين المستضعفين المتخوفين وقائدهم المؤمن: ﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: 61-62]. إن الأميري يستعير هذا اليقين المطلق بالنصر ليخاطب به وجدان الجيل المقاوم؛ فالمشهد المعاصر المحاصر ليس نهاية المطاف، بل هو لحظة تمحيص يتبعها انفلاق بحر الباطل وانبثاق فجر التحرير، مما يمنح الخطاب بعدا حماسيا مفعما بروح الرجاء الرسالي .
ثالثا: التناص الأسلوبي والبنائي
لا يقف الحوار التناصي عند استعارة المفردات أو استدعاء القصص، بل يرتقي إلى تمثل البنى التركيبية والأساليب الإنشائية التي يتفرد بها النظم القرآني المعجز؛ مثل تراكيب الاستفهام الإنكاري والتقريري، ونداءات الاستغاثة والإخبات، وأقسام التوكيد، ومحاكاة الفواصل الإيقاعية المتناغمة.
1. شعرية الاستفهام وتوليد اليقين الروحي
يستخدم الأميري صيغة الاستفهام المتتابع لا لطلب الفهم أو بداعي الشك، بل لتأكيد البداهة العقدية وتحقيق الإقرار الوجداني، محاكيا الأسلوب القرآني في التقرير والتبكيت؛ كقوله تعالى: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: 10]. يقول الأميري في قصيدة دالة:
كيف لا أومن بالله، وهل
لذوي اللباب فيه ملتبس؟
كيف لا أبصره في خلقه
في الضحى، في الفجر، في جنح الغلس؟
كيف لا أحيا به، والروح من
أمره، في غور ذراتي انبجس؟
كيف لا تسعد نفسي بسنا
نوره في كل ترديد نفس؟
وأنا، في سر كنهي، من أنا؟؟
أنا من إبداعه السامي قبس .
يمثل هذا المقطع ذروة التناص الأسلوبي مع الخطاب القرآني؛ حيث اعتمد الشاعر على تكرار أداة الاستفهام التعجبي والتقريري "كيف لا"، المتصلة بأفعال الكينونة والإدراك (أومن، أبصره، أحيا، تسعد). وتتضمن هذه البنية إحالات ضمنية إلى آيات الخلق والأمر؛ فعبارة "والروح من أمره" تستحضر نص الآية: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: 85]، وعبارة "سنا نوره" تتناص مع آية النور، بينما يحيل قوله "أنا من إبداعه السامي قبس" إلى قوله تعالى: ﴿أَوْ آتِيكُم بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾ [طه: 10]. إن هذا التراكم الاستفهامي ينقل النص من مجرد قصيدة وصفية إلى محاكمة منطقية عاطفية تؤكد أن إنكار الخالق يتنافى مع مقتضيات العقل الصريح والفطرة السوية .
2. بنية النداء والمناجاة الابتهالية
يتسم أسلوب النداء عند الأميري بالخروج عن دلالته اللغوية المباشرة إلى معاني التضرع والاستكانة، محاكيا صيغ الأدعية القرآنية المصدرة بـ"ربنا" و"رب". يقول الشاعر متجردا من حوله وقوته:
عبدك، يا رباه
لبى واعتمر
طاف بالبيت العـ
ـتيق، وادكر
دعاك في السعي
وصلى وشكر
عبدك يا رباه
ذو الذنب عمر
فاغفر له إنك
أولى من غفر
تتجلى في هذه الأبيات محاكاة عميقة للمنظومة الدعائية القرآنية؛ حيث يبتدئ الشاعر بتكرار صيغة "عبدك، يا رباه"، وهو أسلوب قرآني يعلي من مقام الافتقار والعبودية المحضة. وتتجاور الأفعال الماضية ذات الطابع الشعائري القرآني (لبى، اعتمر، طاف بالبيت العتيق، صلى، شكر) لتجسد حركة الامتثال لأمر الله: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 29].
وتختتم القصيدة بتوسل استغفاري يستمد صيغته من أسماء الله الحسنى (الغفور)، مؤكدا أن بنية التضرع عند الأميري تتشكل من خلال الذوبان الكامل في المعجم التعبدي القرآني .
3. الترداد والتكرار الإيقاعي المستلهم من الفواصل القرآنية
يلجأ الأميري في كثير من قصائده إلى تقنية "اللازمة التكرارية"، وهي تقنية تشبه الإيقاع النغمي للفواصل القرآنية المكررة في بعض السور الكريمة؛ كما في سورة الرحمن: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾، وسورة المرسلات: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾.
وقد تجلت هذه البنية بأجلى صورها في قصيدة "مع الله"، حيث كرر الشاعر جملة "مع الله" في مستهل كل بيت، رابطا إياها بجميع أحوال الذات وظواهر الكون:
مع الله في سبحات الفكر
مع الله في لمحات البصر
مع الله في زفرات الحشا
مع الله في نبضات البهر
مع الله في رعشات الهوى
مع الله في الخلجات الأخر .
إن هذا التكرار الإيقاعي المتدفق لا يمثل تزيينا شكليا، بل هو محاكاة بنائية تهدف إلى تطويق المتلقي بشعور مطلق بالهيمنة والرقابة الإلهية، حتى يشعر القارئ بأن كل نبضة في الجسد، وكل فكرة في العقل، وكل ذرة في الكون، لا تتحرك ولا تستقر إلا بمعية الله وأمره؛ مما يبرز كيف استطاع الأميري استلهام هندسة القرآن البيانية لبناء رؤية شعرية إيمانية متكاملة الأركان .

المحور الثالث: أثر التناص في بناء الرؤية الشعرية ودلالتها
لا يقف التناص القراني في تجربة عمر بهاء الدين الاميري عند حدود التشكيل البلاغي او الصياغة الاسلوبية الجزئية، بل يتجاوزه ليمثل الركيزة الدلالية والفكرية الكبرى التي شيدت عليها رؤيته الشعرية للكون والانسان والحياة . ان استدعاء المتن القراني بطاقته الدلالية والروحية الهائلة احدث تحولا بنيويا ورؤيويا في الخطاب الشعري للاميري؛ اذ اسهم في نقل القصيدة من مساحات التعبير الانفعالي العابر الى فضاء التجربة الايمانية الراسخة . وتجلى ذلك بصورة جلية في مستويين رئيسين:
اولا: بناء اليقين وتجاوز القلق الوجودي (من التمزق الروحي الى الامان النفسي)
تتسم الحداثة الادبية المعاصرة في كثير من تجلياتها بنزعة واضحة نحو تصوير القلق الوجودي، والتمزق النفسي، والشعور بالعبثية والضياع امام تحولات العصر وازماته القاسية . غير ان شعر الاميري يقف على النقيض من هذه الرؤية العدمية، متخذا من التناص القراني وسيلة لتجاوز الحيرة وتشييد فضاء اليقين النفسي والروحي .
1. استثمار طاقة المعية والذكر في احتواء الالم والابتلاء
لقد عانى الاميري طيلة حياته من وطاة الامراض الجسدية والعلل الباطنية، ولا سيما داء القلب ثم الفشل الكلوي في اواخر ايامه؛ الا ان هذه المعاناة الذاتية لم تسقطه في فخ الشكوى المتبرمة او الياس القاتل, وهنا تتدخل الطاقة الدلالية للنص القراني لتصنع التوازن النفسي عبر مفهوم "المعية الالهية"؛ حيث تتناص قصيدته مع ايات السكينة والذكر .
يقول الاميري في تجلية هذا اليقين المنبثق من ذكر الله:
وتوحي اليهم وتثقل الهموم على القلب اساه
فاذا اشرق اليقين على المرء، فنادى في الكرب يا الله
وبدت ملء روحه وحجاه وغدت في اللسان هجيراه
اصبح الهم قربة وسكونا الرضا بالقضاء رجع صداه
وتجلى الرحمن بالعزم والتثبيت فالمرء صابر اواه .
ان هذا النص يستدعي المعنى القراني المستقر في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]. فالطاقة الدلالية لاسم الجلالة "الله"، المستدعاة في لحظة الكرب، تحول "الهم" من بؤرة اضطراب وجودي الى مقام "قربة وسكون" ورضا بالقضاء والقدر. ان التناص هنا يعيد توجيه الانفعال الانساني من الجزع الى الاستسلام المطمئن؛ لان النص القراني الغائب يضمن للمؤمن نصرة الله ورعايته ومعيته الخاصة بالصابرين: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 153].
2. الخلوة والعزلة بوصفهما معراجا للسكينة لا انكسارا وانطواء
وفي سياق ثنائية العزلة والمجتمع، لا ينكفئ الاميري على نفسه انطواء سلبيا هروبيا كما تفعل النزعات الرومانسية المتشائمة، بل يستحضر مفهوم الخلوة القرانية الموصولة بالعبادة والمناجاة؛ محاكيا خلوة مريم عليها السلام: ﴿فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَاباً﴾ [مريم: 17]، واعتزال ابراهيم عليه السلام لقومه في سبيل الله .
يقول الاميري مبرزا اثر تلك الخلوة المستندة الى اليقين:
في وحدتي والروح في اعماقه نصب وغربه
ارسلت نفسي في فجاج الليل، والافاق رحبه
فاستشعرت بالله نفح سكينة في القلب رطبه
في وحدتي؛ ارتوت الجوارح من ندى تلك السكينه .
تتكئ مفردة "السكينة" في هذا السياق على حمولتها القرانية المركزية في ايات الفتح؛ كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَّعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: 4]؛ فتحول الوحشة والظلمة والغربة الى رواء روحي وانس رباني. وبذلك يؤدي التناص القراني وظيفة علاجية ونفسية كبرى تقي الذات من الانكسار، وتمنحها مناعة وجودية ضد عوارض القلق والياس .
ثانيا: تعميق الرؤية الرسالية وتحقيق الشهود الكوني
لم تكن التجربة الشعرية عند عمر بهاء الدين الاميري مجرد بوح ذاتي او ترجمة لمشاعر فردية معزولة، بل تحولت بفضل التناص القراني الى «شهادة كونية ورؤية رسالية ملتزمة» تنظر الى الوجود والتاريخ والمصير البشري من خلال المنظار القراني الكلي.
1. تحول القصيدة من البوح الفردي الى الخطاب الحضاري والرسالي
ينطلق الادب الاسلامي عند رواده—وفي مقدمتهم الاميري—من مبدا ان الكلمة مسؤولية وامانة، وان الشعر وسيلة لترسيخ الفضيلة والدفاع عن قضايا الامة العادلة، تماشيا مع الاستثناء القراني الخالد في سورة الشعراء: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ [الشعراء: 227]
لذا نجد ان الاميري يدمج همومه الذاتية بهموم الامة الاسلامية، خصوصا في دواوينه المعنية بقضية فلسطين ومقاومة العدوان كـ ديوان "حجارة من سجيل" وديوان "الهزيمة والفجر . وتكتسب قصائده المقاومة قوتها الحجاجية والوجدانية من خلال تناصها مع ايات الصمود، وسنن الاستخلاف، والوعد بالنصر.
يقول الشاعر في تصوير رسوخ العزم المستمد من الرؤية القرانية:
قالوا اعتزلت فقلت عزلة رابض
متحفز للوثبة الشماء
وذخرت نفسي للعظائم صابرا
وطويت عن ذل الصغار ردائي .
ان العزلة هنا ليست انسحابا من معركة الحياة، بل هي اعداد روحي للنهوض والجهاد؛ فالشاعر يستعير الروح القرانية الداعية الى اعداد العدة والصبر على مكاره الطريق؛ مما يرفع نبرة القصيدة من الرثاء الذاتي الباكي الى نداء رسالي يستنهض الهمم، ويحول الشعر الى منبر للدعوة والمقاومة.
2. الشهود الكوني: قراءة الكون كتابا مفتوحا بمحاذاة القران المسطور
تتكامل الرؤية الشعرية عند الاميري حين يربط بين ايات القران المسطورة وايات الكون المنظورة [²³]. فالطبيعة في شعره ليست مجرد مظاهر مادية صامتة للغزل او الوصف الشكلي، بل هي فضاء مسبح خاشع يفيض بالدلالات والمعاني، مصداقا لقوله تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: 44].
يبرز هذا الشهود الكوني القراني في قوله من ديوان "مع الله":
مع الله في نامات الوجود
مع الله في كل ما قد فطر
مع الله في سكنات الحياة
مع الله في حركات الحجر
مع الله في نسمات الرياح
اللواقح تخطر بين الشجر .
يتناص هذا البوح الكوني تناصا مباشرا ومفهوميا مع قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ [الحجر: 22]، ومع ايات الفطرة والابداع الالهي. ان استدعاء لفظ "اللواقح" وتصوير خشوع الحجر وسكنات الحياة وحركاتها يعكس رؤية اسلامية شاملة للوجود تتجاوز النظرة المادية الضيقة؛ اذ يغدو الكون كله محرابا للعبادة والتامل، وتصبح القصيدة مرآة تشهد بعظمة الخالق ووحدانيته.
وهكذا، يتبين ان التناص القراني في تجربة عمر بهاء الدين الاميري لم يكن مجرد اداة اسلوبية عارضة، بل كان الجوهر الذي صاغ فلسفته الشعرية برمتها؛ حيث وفر له الطاقة التي اطاحت بالقلق والياس وبنت صرح اليقين في نفسه، كما مكنه من صياغة ادب رسالي متكامل يجمع بين صدق الانفعال الذاتي وعمق الشهود الكوني الحضاري .

الخاتمة والنتائج والتوصيات
أظهرت معالجة موضوع «التناص القرآني وبناء الرؤية الشعرية في ديوان عمر بهاء الدين الأميري» أن استدعاء النص القرآني شكّل عموداً فقرياً في التجربة الفنية والإيمانية للشاعر. وفي ضوء التحليل الأسلوبي والبنائي للمدونة الشعرية، خلص البحث إلى جملة من النتائج والتوصيات:
أولا: أهم نتائج البحث
• تكامل مستويات التناص وتفوق النمط الإشاري: كشف التحليل أن التناص في شعر الأميري لم يقف عند حدود «التناص اللفظي المباشر» (الاقتباس)، بل تجاوزه إلى «التناص الإشاري والمفهومي» الذي هيمن على بنية القصائد بنسبة أكبر؛ إذ لم يكتف الشاعر بنقل التراكيب الحرفية، بل أعاد صهر القصص القرآني (كيونس وأيوب وموسى عليهم السلام) ليعبر بها عن تجاربه الذاتية والروحية ومواقفه الرسالية.
• فاعلية الوظيفة التداولية والحجاجية للشواهد: أثبتت الدراسة أن استدعاء المفردات والآيات القرآنية أدّى دوراً حجاجياً وتداولياً فاعلاً؛ حيث استثمر الشاعر سلطة النص القرآني في الوجدان العربي لإكساب نصوصه قوة إقناعية وتأثيرية ترسّخ مبادئ المعية الإلهية واليقين، وتدفع المتلقي نحو التماسك النفسي والاستقامة الأخلاقية.
• تجاوز القلق وتشييد فضاء اليقين: أسهمت الطاقة الدلالية للمتن القرآني في بناء رؤية مضادة لتيارات العدمية والعبثية؛ فتحولت مشاعر الحزن والمرض إلى مقامات للرضا والسكينة والصبر، مما جعل التناص أداة بنائية لتحقيق التوازن الروحي والنفسي.
• الشهود الكوني والالتزام الرسالي: نجح التناص في نقل القصيدة من مجرد بوح عاطفي ذاتي عابر إلى شهادة كونية تنظر إلى مفردات الوجود وظواهره عبر المنظار القرآني التأملي، محولاً النص الشعري إلى منبر للدفاع عن قضايا الأمة وقيمها الكبرى.
ثانيا: التوصيات والآفاق البحثية المقترحة
• دراسة «التناص مع الحديث النبوي الشريف في شعر عمر بهاء الدين الأميري: مستوياته وآلياته الدلالية» لاستكمال رصد الروافد الإسلامية في مدونته الشعرية.
• إنجاز أبحاث أسلوبية تداولية مقارنة تفحص «شعرية الدعاء والتضرع بين عمر بهاء الدين الأميري ومحمد محمود الزبيري.
• تطبيق مناهج النقد البيئي الثقافي (Ecocriticism) على شعر الأميري لرصد جدلية «المكان، وتجليات الطبيعة، والبعد الإيماني» في دواوينه.

قائمة المصادر والمراجع
1. القرآن الكريم.
2. ابن رشيق القيرواني، أبو علي الحسن. (1981). العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده (تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد؛ ط5). بيروت: دار الجيل.
3. ابن قيم الجوزية، شمس الدين محمد بن أبي بكر. (2019). مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (ط1). الرياض: دار عطاءات العلم.
4. أبو حامد الغزالي، محمد بن محمد الطوسي. (د.ت). إحياء علوم الدين. بيروت: دار المعرفة.
5. الأميري، عمر بهاء الدين. (1959). ديوان مع الله (ط1). حلب: مطبعة الأصيل.
6. الأميري، عمر بهاء الدين. (1989). ديوان حجارة من سجيل (ط1). الدوحة: دار الثقافة.
7. الأميري، عمر بهاء الدين. (1990). ديوان قلب ورب (ط1). دمشق: دار القلم.
8. باختين، ميخائيل. (1987). المخيال الحواري (ترجمة: محمد برادة؛ ط1). الرباط: دار الأمان.
9. الباشا، عبد الرحمن رأفت. (1998). نحو مذهب إسلامي في الأدب والنقد (ط1). الرياض: دار الأدب الإسلامي.
10. بيلو، صالح آدم. (1985). من قضايا الأدب الإسلامي (ط1). مكة المكرمة: مكتبة المنار.
11. الجدع، أحمد عبد اللطيف، وجرار، حسني أدهم. (1985). شعراء الدعوة الإسلامية في العصر الحديث (ط5). بيروت: مؤسسة الرسالة.
12. جينيت، جيرار. (2005). أطراس: الأدب على السطح الثاني (ترجمة: عبد العزيز شبل؛ ط1). القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة.
13. خليل، عماد الدين. (1982). في النقد الإسلامي المعاصر (ط1). بيروت: مؤسسة الرسالة.
14. خليل، عماد الدين. (2007). مدخل إلى نظرية الأدب الإسلامي (ط1). بيروت: دار ابن كثير.
15. دراز، محمد عبد الله. (1973). النبأ العظيم: نظرات جديدة في القرآن الكريم (ط2). الكويت: دار القلم.
16. الرازي، زين الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر. (1999). مختار الصحاح (تحقيق: يوسف الشيخ محمد). بيروت: المكتبة العصرية.
17. الزمخشري، جار الله محمود بن عمر. (1407هـ). الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل (ط3). بيروت: دار الكتاب العربي.
18. الساعي، بسام. (1978). حركة الشعر الحديث في سورية: دراسة نقدية (ط1). دمشق: دار المأمون للتراث.
19. السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن. (2004). الإتقان في علوم القرآن (ط1). القاهرة: دار هجر.
20. الطباخ، محمد راغب. (1988). إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء (تحقيق: محمد كمال؛ ط2). حلب: دار القلم العربي.
21. فضل، صلاح. (1992). شعرية التناص في الأدب العربي (ط1). القاهرة: مكتبة النهضة المصرية.
22. القرضاوي، يوسف. (1996). العقل والعلم في القرآن الكريم (ط1). القاهرة: مكتبة وهبة.
23. القشيري، عبد الكريم بن هوازن. (د.ت). الرسالة القشيرية. القاهرة: دار المعارف.
24. قطب، محمد. (1983). منهج الفن الإسلامي (ط6). بيروت: دار الشروق.
25. كريستيفا، جوليا. (1997). علم النص (ترجمة: فريد الزاهي؛ ط2). الدار البيضاء: دار توبقال للنشر.
26. الكيلاني، نجيب. (1987). مدخل إلى الأدب الإسلامي (ط1). الدوحة: رئاسة المحاكم الشرعية والشؤون الدينية.
27. الندوي، أبو الحسن علي الحسني. (1982). منهج للأدب الإسلامي (ط1). بغداد: مكتبة الشرق الجديد.