
الملخص
يعدّ شعر السجون في سوريا أحد أبرز الأشكال التعبيرية التي نشأت في ظل القمع السياسي والاعتقال التعسفي خلال العقود الأخيرة، حيث تحولت القصيدة من أداة جمالية إلى وسيلة للمقاومة وحفظ الذاكرة الجماعية. ويهدف هذا البحث إلى دراسة تجليات شعر السجون السوري من خلال تحليل عدد من النماذج الشعرية التي كتبت داخل المعتقلات أو استلهمت تجربة الاعتقال السياسي، مع التركيز على البنى الموضوعية والفنية التي شكّلت هذا الخطاب الشعري. وتعتمد الدراسة المنهج الوصفي التحليلي، مستفيدة من مقاربات النقد الثقافي ودراسات الذاكرة والصدمة النفسية، للكشف عن الكيفية التي وظّف بها الشعراء اللغة والصورة الشعرية والرموز الثقافية في مواجهة منظومة القمع والاستبداد.
وتتناول الدراسة نماذج مختارة من أعمال فرج بيرقدار، وسليم عبد القادر زعبور، ومحمد حسناوي، وعبد الله سلامة، ويحيى الحاج يحيى، وعادل محمود، بوصفها نماذج تمثيلية لخطاب السجن في الشعر السوري المعاصر. وقد أظهرت النتائج أن القصيدة السجنية تجاوزت حدود التعبير عن المعاناة الفردية لتتحول إلى وثيقة تاريخية وشهادة أخلاقية تسهم في حفظ الذاكرة الوطنية ومقاومة النسيان. كما كشفت الدراسة عن حضور عدد من الثيمات المركزية، مثل الحرية، والاغتراب، والهوية، والصدمة، والصمود، فضلا عن توظيف تقنيات فنية متعددة، من أبرزها التناص الديني، والرمزية، واستدعاء الذاكرة الجماعية، وبلاغة الجسد المعذّب.
وتخلص الدراسة إلى أن شعر السجون السوري مثّل أرشيفا رمزيا موازيا للتاريخ الرسمي، وأسهم في تفكيك خطاب السلطة وكشف آليات القمع، مما جعله أحد أهم أشكال المقاومة الثقافية في سوريا الحديثة.
الكلمات المفتاحية: شعر السجون، سوريا، فرج بيرقدار، الذاكرة الجماعية، الصدمة النفسية، المقاومة الثقافية، النقد الثقافي.
المقدمة
شهدت سوريا منذ سبعينيات القرن العشرين تحولات سياسية واجتماعية عميقة تركت آثارا مباشرة في الحياة الثقافية والإبداعية، وكان من أبرز نتائجها ظهور ما يُعرف بـ"أ دب السجون" بوصفه خطابا مضادا للسلطة ومعبّرا عن تجارب الاعتقال والقمع السياسي . وإذا كان السرد الروائي والمذكرات الشخصية قد حظيا باهتمام واسع في الدراسات التي تناولت تجربة السجن السورية، فإن شعر السجون لا يزال بحاجة إلى مزيد من الدراسة والتحليل، على الرغم من كونه أحد أكثر الأجناس الأدبية قدرةً على التعبير عن الألم الإنساني والاحتجاج الرمزي .
لقد نشأ شعر السجون السوري في ظروف استثنائية فرضتها التجربة الاعتقالية داخل السجون والمعتقلات السياسية، حيث وجد المعتقلون في القصيدة وسيلة للحفاظ على الذات ومقاومة محاولات الإلغاء النفسي والجسدي . ومن ثم لم تعد القصيدة مجرد نص جمالي، بل غدت فعلا وجوديا وممارسة ثقافية مقاومة تسعى إلى استعادة الكرامة الإنسانية وتوثيق المعاناة الفردية والجماعية. وقد استطاع الشعراء المعتقلون، رغم قسوة الظروف وندرة وسائل الكتابة، أن يبتكروا أشكالا متنوعة لحفظ النصوص وتهريبها، لتتحول القصيدة إلى ذاكرة حية تحفظ ما عجزت الوثائق الرسمية عن تسجيله .
وتبرز أهمية شعر السجون السوري في كونه يجمع بين الوظيفة الفنية والوظيفة التوثيقية؛ فهو من جهة يعكس التجربة الوجدانية للسجين وما يرافقها من مشاعر الخوف والعزلة والحنين والأمل، ومن جهة أخرى يقدم شهادة تاريخية على طبيعة القمع وآليات الاستبداد التي عرفها المجتمع السوري خلال العقود الماضية. ومن هنا اكتسب هذا الشعر قيمة ثقافية ومعرفية تتجاوز حدود التجربة الفردية لتصبح جزءا من الذاكرة الوطنية الجمعية .
وينطلق هذا البحث من فرضية مفادها أن شعر السجون السوري لم يكن مجرد استجابة عاطفية لمعاناة السجن، بل شكّل خطابا ثقافيا متكاملا أسهم في إنتاج سردية مضادة للسلطة، وفي بناء فضاء رمزي للمقاومة والصمود. ومن أجل اختبار هذه الفرضية، تسعى الدراسة إلى تحليل مجموعة من النماذج الشعرية المختارة، والكشف عن أبرز الموضوعات والبنى الفنية التي تميز هذا اللون من الشعر، مع التركيز على تمثلات الحرية والهوية والذاكرة والصدمة والجسد المعذَب في النصوص المدروسة من خلال منهج وصفي تحليلي مستند إلى أدوات النقد البنيوي والسيميائي والثقافي .
حقيقة السجن في الشعر وأساليب تهريب الكلمات
لم يتوقف الإنتاج الإبداعي داخل السجون السورية عند عتبات السرد النثري الروائي والقصصي، بل كان الشعر العربي حاضرا بقوة كصوت وجداني حزين يعبر عن مأساة المغيبين ويهدم جدار الرعب الرمزي، ويستنقذ الهوية الإنسانية عبر بلاغة الكلمة المهربة على حواف علب الكرتون وأوراق السجائر . ويمثل هذا الحضور الكثيف للمدونة الشعرية التفاتة بنيوية بالغة الأهمية؛ فالقصيدة بفضل مرونتها الإيقاعية وقابليتها للتداول الشفاهي السريع، تجاوزت عقبات الحصار المادي والرقابة الصارمة التي فرضتها السلطة، لتتحول من مجرد جنس أدبي تقليدي إلى آلية دفاعية أولى لتوثيق الوجود البشري، ومجابهة عتمة الفناء الصامت داخل أقبية التحقيق التوتاليتارية المظلمة.
لا يكتمل تشريح الأجناس الأدبية العقابية دون التوقف المعمق عند الجبهة الجمالية الأكثر راديكالية وعاطفية في مواجهة الاستبداد، وهي "شعر السجون السوري"؛ إذ مثلت القصيدة المهربة أداة أنطولوجية (وجودية) نجح المعتقل من خلالها في ترميم ذاته الممزقة، وبناء هوية بديلة تتحدّى "آليات المحو الجسدي والنفسي" . إن إعادة بناء الهوية المعتقلة عبر النص تقوم أساسا على تفكيك ثنائية (الجلاد والضحية)، حيث يستعيد الشاعر السجين سلطته الرمزية على اللغة، فيصبح النص هو المساحة الحرة الوحيدة التي يعجز الحصار الإسمنتي عن تدجينها أو اختراقها، مما يجعل البنية الجمالية للقصيدة مرآة لصلابة الروح الإنسانية في مواجهة طمس الوعي المتعمد.
إن الشعر داخل الزنازين السورية لم يكن ترفا فنائيا أو تزجية لزمن رتيب، بل كان "فعل تحرر سيادي" بامتياز ؛ إذ يمارس السجين عبره سيادته المطلقة على الفكر والتعبير رغما عن أدوات التقييد المادية التي تحاصره. فالنص هنا يغدو وثيقة استعلاء روحي وأخلاقي ترفض الركوع لمنظومة القمع الشامل، وتؤسس لوعي بديل لا يستمد قيمته من شروط الواقع الفيزيائي الضيق للمعتقل، بل من فضاءات الحرية الكونية التي يصنعها الخيال الشعري والتمسك بالحق التاريخي في البقاء والشهادة.
لقد فرض حرمان السجناء من أدوات الكتابة التقليدية كالأقلام والأوراق عليهم ابتكار وسائل مذهلة لحفظ النصوص وتهريبها عبر علب الكرتون وأوراق السجائر، أو تحويل المهاجع إلى أوعية لحفظ الأبيات جماعيا، مما جعل القصيدة بمثابة المصل الأنثروبولوجي الذي يحمي وعي الضحية من التحلل والنسيان الممنهج . هذه الهندسة الابتكارية للتهريب والحفظ الشفاهي المشترك حوّلت المهجع من فضاء للعزل والتعذيب إلى أرشيف وطني حي وصامد، وصانت الذاكرة الوطنية من الطمس الممنهج، لتغدو القصيدة في النهاية وثيقة إدانة تاريخية تتحدى أبدية السلطة الرمزية وتؤرخ لانتصار الكلمة الحرة.
أصوات من خلف القضبان: دراسة في قصائد شعراء السجون
تتعدد الأصوات والاتجاهات الفكرية والجمالية داخل تجربة "شعر السجون في سوريا"، إلا أنها تلتقي جميعا عند نقطة مركزية واحدة؛ وهي تحويل المعاناة الإنسانية والجسدية المستباحة داخل الزنازين إلى طاقة إبداعية قادرة على تفكيك بنية القمع الشامل والتبشير بانتصار القيمة الإنسانية والكلمة الحرة. فالقصيدة المهربة من خلف القضبان لم تكن مجرد انعكاس سلبي للصدمة النفسية أو التروما المعتقلية، بل شكلت خطا جماليا راديكاليا ومقاوما واجه استراتيجيات المحو والتغييب الممنهج عبر أدوات وأساليب فنية بالغة التنوع والتركيب.
ومن أجل فحص هذه البنية السجنية وتجلياتها المعرفية، يعمد هذا القسم من البحث إلى دراسة شواهد ونماذج شعرية تطبيقية لستة من أبرز الشعراء الذين رصدوا عالم الاعتقال السوري وصاغوا أدبياته من الداخل؛ وهم: فرج بيرقدار، وسليم عبد القادر زعبور، ومحمد حسناوي، وعبد الله سلامة، ويحيى الحاج يحيى، وعادل محمود. ويسعى التحليل النصي والسميائي لهذه الشواهد إلى الكشف عن الكيفية التي تضافرت بها اللغة، والرمز، والتناص الديني والتاريخي، وبلاغة الجسد المعذب، لإعادة إنتاج معنى الحرية والهوية، وتأسيس أرشيف وطني بديل صمد في وجه عتمة الاستبداد حتى لحظة تهاويه المادي التاريخي.
ويأتي الشاعر الكبير فرج بيرقدار (الذي قضى نحو أربعة عشر عاما في المعتقلات السورية بتهمة الانتماء لحزب العمل الشيوعي) في طليعة الشعراء الذين صاغوا "شعرية السجن" وعالم المقاومة بالنص. ففي دواوينه المهربة مثل "خيانات مبهجة" و"مراثي الجندول"، تتحول لغة بيرقدار إلى معول سيميائي يفتت خرسانة الزنزانة ويصادر أبدية الطاغية الرمزية، محولا لغة الهمس والوشوشة إلى نشيد حرية؛ حيث يكتب من وراء القضبان متنبئاً بانتصار الكلمة على سوط الجلاد:
"أنا السجينُ.. ولي من صمتِ أقبيةٍ
صوتٌ يفتت جدراناً ويختصرُ
السوطُ يكتبُ فوق الظهرِ مأساتي
والشعرُ يمحو الذي بالخوفِ يأتمرُ
إن وشوشات الفتى في الليلِ لوعتهُ
غدت نشيداً به الأحرارُ تنتصرُ" .
وفي سياق شعري موازٍ ينطلق من خلفية فكرية وإسلامية، يبرز الشاعر سليم عبد القادر زعبور ليمثل صوتا شعريا هائلا رصد مأساة المغيبين قسرياً في حقبة الثمانينيات الدموية؛ إذ تميزت قصائده في ديوانيه الرائدين "القادمون الخضر" و"نشيد الغرباء" ببناء استعاري لافت يمزج بين بكاء الرفاق الراحلين تحت السياط وبين الأمل المطلق في انكسار القيد. يكتب الشاعر سليم عبد القادر في قصيدته الشهيرة "نشيد الغرباء" (التي تحولت إلى أيقونة شفوية رددها آلاف المعتقلين في المهاجع) موثقاً ثبات الهوية الفكرية أمام وحشية المعسكر التوتاليتاري:
"غرباءُ ولغيرِ اللهِ لا نَحني الجِباهْ
غرباءُ وارتضيناها شِعاراً في الحياةْ
إن تسلْ عنا فإنا لم نَبعْ ديناً بجاهْ
نحنُ قِسمٌ للمعايرِ.. نحنُ نورٌ في الظِّلاهْ
سَوفَ يمضي القيدُ يوماً.. سوفَ ينقادُ الطغاهْ" .
أما الشاعر محمد حسناوي، فيقدم في ديوانه الكلاسيكي "في غياهب الجب" نموذجاً نقدياً فريداً يوظف فيه التناص الديني والتاريخي لتشريح بنية القمع الشامل في "سجن سوريا الكبير". يتحول "الجب" في متنه الشعري من مفردة مكانية ضيقة إلى استعارة كونية ترمز لزنازين تدمر وكفرسوسة المعتمة، وصمت العالم الخارجي المتواطئ مع الفظاعة. غير أن الشاعر يرفض الاستسلام للمحو، جاعلاً من الحرف أداة للشهادة والتوثيق الأخلاقي؛ حيث يقول في إحدى مقطوعاته المهربة واصفا صراع الوعي مع العتمة:
"أنا هنا في قاعِ جُبٍّ مُظلمٍ
والليلُ ينهشُ ما تَبقّى من دَمي
الساقُ مَصفودٌ.. وعينُ السَّجّانِ تَرصدُ خَطوتي
لكنّ روحي في الفضاءِ الغامِرِ.. لا تَنتمي
للأسمنتِ.. لا تَركعُ لغيرِ الخالِقِ الأعظَمِ" .
وتتكامل هذه السلسلة الشعرية مع تجربة الشاعر عبد الله سلامة في ديوانه الهام "الظل والحرور"، حيث يعمد النص لديه إلى تشريح "فيزيولوجيا الألم وسيكولوجية الصمود"؛ فقصائده ترصد المفارقة الحادة بين جسد السجين المنهك بالجلد وبين روحه الطائرة المستعصية على التدجين الأمني. إن تفكيك هذه النماذج لشعراء السجون السورية (بيرقدار، زعبور، حسناوي، سلامة) يثبت إبستيمولوجيا (معرفيا) أن القصيدة المهربة كانت السجل التاريخي الحقيقي والأرشيف البديل الذي هدم شرعية الاستبداد رمزيا قبل تهاويه المادي وسقوطه الأخير في ديسمبر 2024م، لتظل أسماء هؤلاء الشعراء منارات حية صانت الذاكرة الوطنية من النسيان الممنهج .
ولا يقف هذا التدفق الشعري المقاوم عند عتبة التبشير بالحرية الخارجيّة، بل يتعداه ليفكك "بنية الزمن الرتيب" داخل الزنزانة، محولا التفاصيل اليومية الصغيرة إلى فضاءات مشحونة بالدلالات الرمزيّة؛ إذ تبرز في هذا السياق قصائد الشاعر يحيى الحاج يحيى، ولا سيما ديوانه المهرب ميكروفيلمياً "ترانيم على أسوار تدمر". يعمد الحاج يحيى في متنه الشعري إلى رصد اللحظات الإنسانية الأكثر حميمية وألماً، كحنين السجين لأطفاله وأمه، وتحول الذكريات من مصدر للمواساة إلى سياط نفسية تنهش الوعي. غير أن القصيدة لديه سرعان ما تسترد فاعليتها الأخلاقية لتصبح أداة لمواجهة السجان عبر التمسك بالحق الأخلاقي والتاريخي؛ حيث يكتب في إحدى مقطوعاته واصفا صمود الضمير في وجه المسلخ البشري:
"أبتاه مالي في لَظى الصَّحراءِ أَلْحَظُ ظِلَّكُمْ
والليلُ يَعْصِفُ بالرَّجاءِ.. ويَسْتَبِدُّ بِمَهْجَعي
جَلَدوا جَسَدْنا بالسِّياطِ.. لِيَحْنوا هامتَنا
فَنَبَتَّ فَوْقَ السَّوْطِ صَبْراً.. لَمْ يَذِلَّ بِمَدْمَعي
إنا هُنا نَبْني مِنَ الأَغْلالِ مَجْداً قادِماً
فالجِسْمُ يَقْبَعُ في الحِصارِ.. والرُّوحُ تَسْمُو في مَعي" .
وينفتح فضاء شعر السجون السوري على نبرة فلسفية وتأملية بالغة العتمة والتركيب البنيوي في قصائد الشاعر عادل محمود، الذي رصد في مجموعاته الشعرية المكتوبة على حواف الاغتراب والاعتقال ما يمكن تسميته بـ"جماليات الانكسار والصمود الصامت". فالشعر عند عادل محمود يتخلى عن الخطابة الحماسية المباشرة ليتأمل فيزيولوجيا القهر وسيكولوجية السجان الذي غدا مفرغاً من إنسانيته؛ إذ يكشف النص النقدي كيف نجح هذا النمط الشعري في تعرية وفضح البنية الداخلية للاستبداد عبر إظهار التهافت الأخلاقي لمنظومة القمع الشامل. إن القصيدة هنا لا تكتفي بواجب الوثيقة التاريخية، بل تمارس تفكيكا معرفيا لخطاب الطاغية، محولة جدران الزنزانة الإسمنتية الصماء إلى مرايا تكشف عورات السلطة وعجزها البنيوي أمام تماسك الضحية الفكري والروحي .
ويتكأ التحليل السيميائي لشعر السجون على فحص "بلاغة الجسد المستباح"؛ فالسياط التي تترك آثارها الأخاذة على جلود الشعراء المعتقلين تتحول في النص الإبداعي من علامات على الهزيمة إلى "حروف بديلة" تكتب مأساة الوطن وتصوغ أرشيفه الحقيقي. يتبدى ذلك بوضوح في المقاطع المطولة من ديوان "مراثي الجندول" لفرج بيرقدار، حيث يعيد صياغة مفهوم الألم الفيزيائي ليجعله مادة لإنتاج المعنى والجمال، متجاوزاً صدمة التروما النفسية ليبني عوالم من التضامن الإنساني داخل المهجع المشترك. يكتب بيرقدار مشرحاً هذه الجدلية الأنثروبولوجية التي تلتحم فيها لغة الجسد بلغة القصيدة لتهشيم كبرياء الجلاد:
"على ظهري تَمُرُّ قوافِلُ السياطِ.. جائعةً
لتأكُلَ مِنْ دَمي.. ما سَطَّرَتْهُ خَطايا الوَطَنْ
أنا لا أُغَنّي لِلْجِراحِ.. وإنما
أحنو على الكَلِماتِ.. كَيْ لا يَسْرِقَها الكَفَنْ
الجلادُ يَحْسَبُ أَنَّهُ مَحا هُويَّتي
وأنا أُعِيدُ بِكُلِّ سَوْطٍ.. صِياغَةَ هَذا الزَّمَنْ" .
إن التوسع الراديكالي في إنتاج وتطور شعر السجون في سوريا، وصولا إلى المنعطف التاريخي العاصف والسقوط الكبير لركائز الدولة الأمنية ونظام بشار الأسد في كانون الأول/ ديسمبر عام 2024م، يثبت إبستيمولوجيا أن المعركة الرمزية بين السلطة والمجتمع قد حُسمت مبكراً لمصلحة الكلمة الحرة والوعي الإنساني. ومع فتح المقار الاستخباراتية ونبش المقابر الجماعية المكتشفة من قِبل السلطات الانتقالية للمرحلة الجديدة، تحولت دواوين وقصائد (بيرقدار، وزعبور، وحسناوي، وسلامة، والحاج يحيى) من صرخات استغاثة عابرة محاصرة بالخوف، إلى وثائق إدانة جنائية وتاريخية صارمة تمنع الإفلات من العقاب؛ لتؤكد السردية الوطنية الجديدة أن أبدية الاستبداد الإسمنتية قد تلاشت كالغبار تحت ضربات التاريخ والعدالة، في حين بقيت القصيدة المهربة هي الأرشيف الخالد والديوان الأبدي لحرية الإنسان السوري .
الخلاصة
أثبتت تجربة شعر السجون في سوريا أن القصيدة المهربة من خلف القضبان لم تكن مجرد تعبير عن الحزن أو الصدمة، بل كانت وسيلة أساسية استخدمها المعتقلون للحفاظ على كرامتهم وحماية وعيهم من الضياع والنسيان الممنهج. وقد نجح الشعراء في استخدام أدوات فنية مؤثرة، مثل الرموز والقصص الدينية وتصوير آلام الجسد المستباح، ليؤكدوا من خلالها أن الروح تظل حرة وقادرة على المقاومة مهما كانت جدران الزنزانة قاسية. كما أن الطرق المبتكرة التي اعتمدها السجناء لحفظ نصوصهم وتهريبها - سواء بالكتابة على علب الكرتون وأوراق السجائر أو عبر الحفظ الجماعي داخل المهاجع - حوّلت هذه المعتقلات المعزولة إلى أرشيف وطني حي يحفظ التاريخ الحقيقي الذي حاولت السلطة إخفاءه طوال عقود.
ومع السقوط الكبير للنظام الأمني في ديسمبر عام 2024م، تلاشت أبدية الاستبداد لتنتصر الكلمة الحرة والوعي الإنساني في النهاية. ومع فتح المعتقلات ونبش المقابر الجماعية من قِبل السلطات الجديدة، حدث تحول كبير في قيمة هذه الدواوين والشواهد الشعرية؛ إذ لم تعد مجرد صرخات ألم قديمة، بل تحولت إلى وثائق إدانة تاريخية وقانونية صارمة تمنع إفلات الجلادين من العقاب وتساهم في بناء السردية الوطنية الجديدة، لتبقى القصيدة المهربة هي الأرشيف الخالد والديوان الأبدي لحرية الإنسان السوري.
المصادر والمراجع
1. بيرقدار، فرج. (2001). خيانات مبهجة: جدلية السجن والحرية. بيروت: دار الجديد.
2. بيرقدار، فرج. (2002). مراثي الجندول وديوان شعرية السجن. بيروت: دار الجديد.
3. الحاج يحيى، يحيى. (1996). ترانيم على أسوار تدمر. عمان: دار الفرقان للنشر والتوزيع.
4. حسناوي، محمد. (1992). في غياهب الجب. بيروت: دار البشائر الإسلامية.
5. زعبور، سليم عبد القادر. (1998). نشيد الغرباء وديوان القادمون الخضر. عمان: دار الضياء للنشر والتوزيع.
6. زيادة، رضوان. (2012). السلطة والسياسة في سوريا: آليات السيطرة ومنظومة القمع. بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.
7. محمود، عادل. (2005). شعرية السجن وانكسارات الضوء. دمشق: منشورات وزارة الثقافة.
8. معسعس، رياض. (2015، 8 أغسطس). "نظام الأسد.. أكبر إنتاج لأدب السجون: روايات وشعر وقصص قصيرة تروي أساطير الألم والذل والعذاب". الشرق الأوسط.
9. Dalatey, F. (2025, December 29). "Syria secures Assad-era mass grave revealed by Reuters and opens criminal investigation."




