
ولاية آسام هي إحدى الولايات في شمال شرقي الهند، وهي ولاية أرضها خصبة وأجواءها هادئة مطمئنة وطقسها جميل ومناخها معتدل، ويحفّ بها مناظر طبيعية خلّابة، كما توجد فيها جبال شامخة وأنهار متدفّقة كثيرة، ومنها ’نهر برهمابوترا‘ الذي يعتبر أطول الأنهار في هذه الولاية. وكذلك توجد فيها غابات محمية كثيرة التي تتمتّع بالحماية القانونية، ومن أبرزها محمية ’كازيرانجا‘ ومحمية ’ماناس‘ اللتان تُعدّان من أهمّ مواقع التراث العالمي ، لما تتميّزان بالتنوّع البيئيّ وتنوّع الأشجار والنباتات والحيوانات. ومن أبرز حيواناتها الكركدن لقرن واحد والخنزير القزم والنمر بالإضافة إلى العديد من مختلف الطيور والفيول الآسيوية؛ مما يجعلهما أحد أشهر المواقع السياحية في الهند بحيث يقصدهما آلاف السياح الأجانب سنويا. وعلاوة على ذلك، فإن هذه الولاية تنتج أشياء عديدة، ومن أهمها ’شاي آسام‘ و ’حرير آسام‘ وكلاهما قد ذاع صيتهما في العالم وشاع قبولهما فيما بين الناس. ويتحدّث سكان ولاية آسام عددًا من اللغات المحلية، وفي مقدّمتها اللغة الآسامية واللغة البنغالية ولغة البارو وغيرها. أما اللغة الآسامية فهي تعد اللغة الرسمية للولاية؛ ويُعرف سكان ولاية آسام باسم ’آسوميا‘. وتضم الولاية عددًا كبيرًا من القبائل، وكل منها فريدة في تقاليدها وثقافتها وملابسها وأسلوب حياتها. ويمارس سكان آسام ديانات متعددة، ومنها الهندوسية والإسلام والبوذية والمسيحية وغيرها. وتعد الهندوسية الديانة التي يدين بها أغلب الناس، وأما المسلمون فلهم وجود كبير في هذه الولاية، وعددهم يزيد عن خمسة عشر مليون نسمة. والمسلمون قد لعبوا دورًا كبيرًا في تشكيل المجتمع الآسامي وتطوير ثقافتهم.
العلاقات بين آسام والعرب
يشهد التاريخ أن العلاقات بين الهند والعالم العربي وثيقة وعريقة منذ فجر التاريخ، وبدأت هذه العلاقات لأسباب تجارية وسياسية وثقافية. وقد وصل تجار العرب إلى المناطق الهندية خاصة في سواحلها الغربية والجنوبية في قديم الزمان، ثم تعززت هذه العلاقات واتسعت إلى أن جاء تجار العرب إلى ولاية بنغال الغربية وآسام.
ومن المعلوم أن ولاية أسام كانت تُعرف في العصور القديمة بــاسم ’كامروبا‘، بينما أطلق عليها التجّار العرب اسم ’قامرون‘. كما سبق ذكره بأن هذه المنطقة اشتهرت بوفرة ثرواتها الطبيعية، ولا سيّما وجود الكركدن لقرن واحد الذي يُعدّ من أبرز معالمها الطبيعية. وفي هذا الصدد يقول المؤرّخون أنّ مملكة قامرون كانت تتّصل بحدود الصين، وأنّها كانت تزخر بالذهب، فضلًا عن اشتهارها بالكركدن، وهو حيوانٌ ضخم يتميّز بقرنٍ واحدٍ في مقدّمة رأسه. وكان التجّار العرب يفدون إلى هذه المنطقة طلبًا لسلعها التجارية النفيسة التي اشتهرت بها، والتي كانت تتوافر بكثرة في مختلف مناطقها. ومن أبرز هذه السلع: العود القامروني والفيلة والذهب والفضة والكركدن والأقمشة والمنسوجات وغيرها من المنتجات القيّمة.
خلفية المجتمع الآسامي في العصور الوسطى
كان المجتمع الآسامي في العصور الوسطى مائلا كثيرا إلى الحركة الفاشناوية التي قام بها سريمانتا شانكار ديفا (1449-1568م)، وكان أحد أبرز الشخصيات الروحية فيما بين القرنين الخامس عشر والسادس عشر الميلادي. ويعتبر الآساميون شخصية شانكر ديفا رمزا للحياة الأدبية والروحية في العصور الوسطى، ولم تقتصر جهوده، وجهود أتباعه الأوائل، على الدعوة الدينية وإلقاء الخطب الثقافية فحسب، بل أسهموا أيضًا في إحياء الحياة الآسامية وإثرائها في جميع المرافق الروحية والأدبية والثقافية والاجتماعية. وكان شانكر ديفا أيضًا مؤسِّسَ مذهبٍ ديني يُعرف باسم "إيكاسارانا دهارما" ويعني الاحتماء بإلهٍ واحد. ويقوم هذا المذهب على مبدأ التوحيد في العبادة، ويتقاطع مع مفهوم التوحيد في الإسلام من بعض الوجوه، إذ يركّز على عبادة إلهٍ واحد وتجنب عبادة الأصنام. ويُعدّ المبدأ الأساسي لهذه الحركة الاعتقاد بأن الإله هو واحد، وأن العبادة ينبغي أن تكون له وحده، ولا لغيره.
كما ألّف شانكر ديفا مجموعةً من القصائد الدينية التي عُرفت باسم ’بارجيت‘ والتي اكتسبت شهرة كبيرة في التراث الأدبي والديني لولاية آسام. ومن أوائل المتصوفة الذين وفدوا إلى ولاية آسام من خارج الهند – شاه ميلان، المعروف أيضًا باسم ’أذان فقير‘. وقد قدم آسام من بغداد عاصمة العراق حاليًا. وقد تأثّر شاه ميلان بالحركة الفايشناوية التي أسّسها شانكر ديفا، فَنَظَمَ أناشيد دينية عُرفت باسم ’الذكر‘ و ’الزاري‘. وسلك في أسلوبه منهج في ’بارجيت‘ لشانكر ديفا.
ومن المعلوم أنّ المسلمين في ولاية آسام خلال العصور الوسطى مرّوا بمرحلةٍ شهدت ضعفًا في التمسّك بتعاليم الدين وأحكامه. فلم يشتغلوا بالقيم الإسلامية السمحة وعقيدتها الصحيحة، حتى لم يكن هناك تمييز كثير بينهم وبين المجتمع الهندوسي في أمور الدين والعقائد. وفي هذا الصدد، يذكر المؤرّخ شهاب الدين طالس، أحد كبار المؤرخين من العصر المغولي:
”كان أحفاد المسلمين الذين أصبحوا أسراء تحت حكّام آسام قد تزوّجوا من بناتهم، وأقاموا في البلاد مدّةً طويلة، حتى أصبحوا يتصرّفون تصرّف الآساميين في كثيرٍ من شؤون حياتهم. ولم يبقَ من إسلامهم شيء، فكانوا مسلمين بالاسم فقط، وكانوا يهتمون فقط بالاندماج في المجتمع الآسامي وثقافة الآساميين، وضعفت صلتهم بسائر المسلمين.“
وكان الشعب الآساميون في منطقة كامروبا يمارسون عملية السحر كما تشير المصادر التاريخية. وإنما كانت ممارسة السحر من العادات الشائعة بين سكان كامروبا آنذاك. وقد أشار أبو الفضل إلى ذلك في كتابه ’عين أكبري‘ وقال : " كان سكان كامروبا معروفين بانخراطهم في ممارسة السحر بشكل معتاد.“
هكذا نرى المسلمين في ولاية آسام، ولا سيّما خلال العصور الوسطى، أنهم لم يهتموا كثيرا بالدين. ويمكن أن يقال إنهم كانوا مسلمين بالاسم فقط، ولم يستكمل الإيمان في قلوبهم، ولم يلتزموا بالقيم الإسلامية السمحة وعقائدها المخلصة، كما تضاءلت الفوارق الدينية بينهم وبين المجتمع الهندوسي. ومن هنا برزت الحاجة إلى ظهور المرشدين والمتصوفة والدعاة في ولاية آسام لكي يرشدهم إلى الصراط المستقيم، وينقذهم من الأفكار الفاسدة التي كانت سائدة ورائجة بينهم آنذاك. ولهذا وفد إلى ولاية آسام عددٌ من الدعاة والمتصوفة من مختلف الأقاليم الإسلامية والدول الأجنبية مثل العراق واليمن وإيران وغيرها. وهؤلاء الدعاة أسهموا إسهاما كبيرا في نشر الدين الحنيف وهو الإسلام وتعزيز مبادئه وقيمه بين سكان آسام.
نشأة المجتمع الإسلامي وتطوّره في ولاية آسام
لقد شهدت ولاية آسام في القرون الوسطى العديدَ من الغزوات الإسلامية التي استمرّت لمدة أكثر من أربعة قرون، بدايةً من عام 1206م إلى عام 1682م. وكانت أولى هذه الغزوات حملةَ محمد بن بختيار، وانتهت بمعركة إيتاخولي التي وقعت سنة 1682م. وخلال هذه الفترة الطويلة، التي امتدّت قرابة خمسة قرون، وفد إلى ولاية آسام عددٌ كبير من رجال الدين والمتصوفة والفقراء والأولياء بهدف نشر الإسلام؛ واندمجوا في المجتمع الآسامي وثقافته. ومن كبار هؤلاء المتصوفة غياث الدين أولياء والسيد شاه ميران، الملقب بـ ’أذان فقير‘. وقد حظي غياث الدين أولياء باحترام كلٍّ من الهندوس والمسلمين في آسام خلال العصور الوسطى، لما عُرف به من التسامح واحترام أتباع مختلف الأديان.
ويتّضح من تاريخ آسام القديم أنّ سكانها كانوا يعيشون في جوٍّ من الأخوّة والمحبة، ولم تكن بينهم مظاهرُ واضحةٌ من العداوة أو البغضاء. كما اتّسم المجتمع الآسامي بالتسامح والتواضع، وكان المسلمون بدورهم يحترمون أتباع الديانات الأخرى، ويتحلّون بحسن الأدب والخلق، ويعيشون حياة طيبة يسودها الوئام والتعايش. وقد لعبت هذه العوامل دورًا كبيرًا في ترسيخ قيم الوئام والمحبة بين أفراد المجتمع، كما كان لها دورٌ مهم في تكوين المجتمع الإسلامي في ولاية آسام. وتذكر المصادر أن ’علي ميتش‘ هو الذي يعد أولَ من اعتنق الإسلام في ولاية آسام بعد الحملة التي قادها محمد بن بختيار الخلجي، وكان واحدا من الزعماء الكبار من جالية ميتش (Mech). وكذلك نجد شخصية أخرى تُدعى ’چاند شاي‘ وهو من أبرز أتباع شانكر ديفا وتأثّر بالحركة الفايشناوية. وقد عرف چاند شاي بنزعته الصوفية، وكان يعمل في مهنة الخياطة.
إذا تأمّلنا في تاريخ آسام القديم، نجد أنّ هناك أربعة عوامل رئيسية لعبت دورًا ملموسًا في نموّ السكان المسلمين في ولاية آسام، وهي كما يأتي :
العامل الأول
وقد بدأ أول اتصالٍ مباشر بين آسام والمسلمين عام 1206م، عندما قاد محمد بن بختيار الخلجي حملةً عسكرية على مناطق واسعة في شمال شرقي الهند، ولا سيما التبت (Tibet). وكان محمد بن بختيار الخلجي قائدًا عسكريًا في عهد قطب الدين أيبك، ومؤسسَ الدولة المملوكية في الهند. وقد شارك في هذه الحملة نحو عشرة آلاف من جنود الخلجي، غير أنّ معظمهم قُتلوا فيها، ولم ينجُ منهم سوى نحو مائة جندي فقط. وبعد فشل هذه الحملة، اضطرّ محمد بن بختيار الخلجي إلى سحب قواته العسكرية. وأثناء عودته عبر ولاية آسام، تعرّض ما تبقّى من جيشه لهجومٍ شنّه ملك كامروبا، الذي يُعرف في المصادر التاريخية باسم الملك بريثو (Prithu). وفي هذا الصدد، ذكر منهاج سراج في كتابه الشهير ’طبقات ناصري‘ أنّ هذه المرحلة مثّلت أول اتصالٍ مباشر بين آسام والمسلمين.
العامل الثاني
لم يكن الشعب الآسامي في قديم الزمان يهتمّ بالزراعة بالقدر الكافي، بينما كان مسلمو البنغال أي بنغلاديش يتميّزون بتقدّمٍ ملحوظ في مجالات الزراعة والتطريز والنقش والنحت على الخشب وصبّ المدافع وصناعة السيوف وغيرها من الحِرَف والفنون الدقيقة. ولهذا السبب، استدعى ملوك آهوم عددًا من الحرفيين والرجال المتعلّمين المسلمين من البنغال للاستفادة من مهاراتهم في تطوير الزراعة والصناعات المختلفة في ولاية آسام. وهذا من الأمور التي أدّت إلى ازدياد أعداد المسلمين في هذه الولاية.
العامل الثالث
وقد وفد إلى ولاية آسام عددٌ من المتصوفة والدعاة حاملين رسالة الإسلام، وكان من أبرزهم شاه ميران المعروف بــ’أذان فقير‘ وشاه جلال المجرّد اليماني وغياث الدين أولياء وغيرهم. وقد اضطلع هؤلاء المتصوفة بدورٍ بارز في نشر التعاليم الإسلامية من خلال دعوتهم الروحية وأسلوبهم القائم على التسامح وحسن المعاملة. وقد أسهمت دعوتهم الروحية في اعتناق عددٍ كبير من سكان آسام المحليين الإسلام، وفي نموّ المجتمع الإسلامي في مختلف أنحاء الولاية.
العامل الرابع
ومن العوامل المهمة في نموّ المجتمع الإسلامي في ولاية آسام الهجرةُ والنزوحُ، إذ هاجر عددٌ كبير من المسلمين من إقليم بنغال الشرقية إلى ولاية آسام، واستقرّوا فيها استقرارًا دائمًا خلال فترة الحروب والصراعات بين مملكة آهوم والمغول. وقد أسهمت هذه الهجرات في ازدياد أعداد المسلمين وتعزيز المجتمع الإسلامي في ولاية آسام.
أصحاب الصوفية
وقد سبق الذكر بأن المتصوفة لعبوا دورًا فعّالًا في انتشار الإسلام والعقيدة الصوفية في ولاية آسام، إذ برز عبر تاريخها عددٌ من المتصوفة والدعاة والمصلحين الذين كرّسوا حياتهم لنشر تعاليم الإسلام وترسيخ قيمه بين المسلمين الجدد، والدعوة إليه بين مختلف فئات المجتمع وعامة الناس. ومن أبرز هؤلاء المتصوفة : شاه جلال المجرّد اليماني، وشاه ميران المعروف بــأذان فقير، والسيّد نصير الدين البغدادي، وأحمد علي رحمه الله، ومولانا مصدّر علي رحمه الله، ومولانا عبد الجليل جودهوري، ومولانا طيب الرحمن بربهويا رحمه الله وغيرهم.
شاه ميران الملقّب بــأذان فقير (رحمه الله تعالى)
يُعدّ الشيخ شاه ميران، الملقّب بــ ’أذان فقير‘ من أبرز المتصوفة الذين قدموا إلى ولاية آسام. وقد وفد إليها من بغداد سنة 1626م برفقة أخيه الشقيق اسمه نبي شاه. واستقر في بادئ الأمر بزاوية غياث الدين أولياء الواقعة على قمة جبل ’غاروراتشال‘ (Garurachal) بــمنطقة ’هازو‘ (Hajo) حيث أقام فيها عدة سنوات متتالية، ثم انتقل مع أخيه إلى ’غار غاون‘ وأقام في حي ’سون بورا‘ مدة طويلة. وخلال إقامته هناك بذل جهدًا كبيرًا في تعلّم اللغة الآسامية واستيعاب ثقافتها. وأخيرًا انتقل أذان فقير إلى منطقة ’ساراغوري سابوري‘ الواقعة في مديرية سيبساغار (Sibsagar)، واستقرّ فيها مع نحو مائة وعشرين مريدًا من أتباعه الأعزاء؛ وقضى فيها حياته الباقية حتى توفاه الله تعالى عام 1690م. وقد عُرف هذا الشيخ بكثرة تنقله بين مختلف مناطق آسام للدعوة إلى الدين الحنيف، وبذل جهودًا كبيرة في نشر تعاليمه بين الهندوس، مما أسهم في اعتناق أعداد كبيرة منهم الإسلام.
شاه جلال المجرّد اليمني (رحمه الله تعالى)
كان شاه جلال المجرد اليمني صوفيًا وداعية مشهورًا في ولاية آسام. ولد في أسرة دينية نبيلة في اليمن عام 1322م. وقدم إلى ’سيلهت‘ (Sylhet) برفقة عدد من الغزاة وحارب ضدّ الملك ’غورغوبند‘. وقد كان له دورٌ بارزٌ في نشر الإسلام في مناطق شمال شرق الهند، ولا سيما في منطقة كاتشار وغيرها من المناطق المجاورة.
وفي يوم من الأيام رأى شاه جلال المجرّد اليمني في منامه رؤيا أن رجلا يقول له : "ينبغي لك أن تشد الرحال إلى بلاد الهند، لتنقذ المسلمين من العقائد الفاسدة والتقاليد البالية، وترشدهم إلى الدين الحنيف." وفي اليوم التالي، قص شاه جلال هذه الرؤيا على عمّه السيد أحمد الكبير الذي كان شيخه أيضا، فأمره بالتوجّه إلى الهند، وأعطاه حفنة من التراب وقال له : "إذا بلغتَ بقعة يشابه ترابها هذا التراب، فاعلم أنك قد وصلت إلى المكان المقصود." وفي هذا الصدد، تورد المصادر التاريخية رواية بشأن قدوم شاه جلال إلى ’سيلهت‘. والرواية تفيد بأنّ رجلًا من تلك المنطقة يُدعى برهان الدين ذبح بقرةً احتفالًا بميلاد ابنه. فلما بلغ ذلك ملكَ ’غور غوبند‘ غضب غضبًا شديدًا، فأمر بقتل ابنه وقطع يده. وعندما وصل هذا الخبر إلى السلطان سكندر شاه، جهّز جيشًا وشنّ حملةً على الملك، غير أنه لم يستطع أن يغلب عليه في هذه الحملة الأولى.
وفيما بعد، انضم شاه جلال إلى حملته الثانية، وكان في الوقت نفسه يبحث عن أرضٍ مناسبة للاستقرار فيها. ولما وصل إلى أرض سيلهت، وجد أن تربتها تماثل التراب الذي رآه في منامه من قبل، فأيقن أنها الأرض المقصودة، فأقام فيها مع أتباعه، الذين بلغ عددهم 360 شخصًا. ثم بنى بها مسجدًا، وأخذ يدعو الناس إلى الإسلام، ويرفع الأذان للصلوات الخمس، وأسهم في نشر الإسلام بين سكان تلك المنطقة، حتى اعتنق الإسلام على يديه عددٌ غير قليل من الناس. وفي هذا الصدد، يورد المؤرخون قولًا اشتهر في التاريخ الآسامي، وهو :
”أتباع الهندوسية كثيرون، ولكن يندر فيها المسلمون،
فمن جاء إليها أولًا، ودعا الناسَ إلى المسجد بالأذان،
أخي! من كان أولَ من رفع الأذان لإقامة الصلوات؟“
سيّد نصير الدين البغدادي (رحمه الله تعالى)
يُعدّ السيّد نصير الدين البغدادي أيضًا من أشهر المتصوفة، والذي قدم إلى الهند من بغداد عاصمة العراق حاليًا؛ وأقام في منطقة جاليسوار التابعة لمديرية غوالباره في ولاية أسام. وقد عاش فيها مدةً طويلة، وكرّس حياته للدعوة إلى الإسلام ونشر تعاليمه، كما أسّس عددًا من المدارس الإسلامية، ومن أهمها : مدرسة عالية بكتاري هارا، ومدرسة مظاهر العلوم في غوالبارة وغيرها من المدارس التي كان لها أثرٌ في نشر العلوم الإسلامية بالمنطقة. وقد توفي هذا الشيخ الصوفي سنة 1936م. ويقع ضريحه أي مزاره في ديار كاتاري هارة.
غياث الدين أولياء (رحمه الله تعالى)
يقول بعض المصادر أن هذا الشيخ الصوفي كان من سلالةٍ ملكية، وكان داعيةً كرّس حياته لنشر الإسلام في ولاية آسام. وقد ذكر محمد يحيى التاميزي في كتابه الشهير «الحركات الصوفية في شرق الهند»، الصادر سنة ١٩٩٢م، أن الشيخ قدم إلى الهند من شبه الجزيرة العربية سنة ١٢٦٤م. وكان يشدّ الرحال إلى مختلف أرجاء الهند حتى وصل إلى وادي براهمابوترا برفقة ثلاثة من المتصوفة، وهم : شاه جودور، وشاه جمال، وشاه بزرق. ثم بدأ يدعو السكان المحليين إلى الإسلام، وقرّر أن يقضي بقية حياته على قمّة تلال غوراشول. وتعزّزت أنشطته الدعوية مع اتساع نفوذ المسلمين في المنطقة، إلى أن مات ودفن في المكان نفسه أي في تلال غوراشول. وقد عدّه المؤرخون من أوائل دعاة الإسلام في شمال شرق الهند. وفي هذا الصدد يقول كاناك لال بانيا (Kanak Lal Bania) :
”وقد نشأت جماعةٌ من المسلمين بمنطقة جوالر هاجو في كامروبا عقب الحملة العسكرية الفاشلة التي قادها السلطان علاء الدين حسين شاه سنة ١٤٩٨م، وقد أسّس غياث الدين أولياء مسجدًا في تلك المنطقة، واتخذه مقرًّا لنشاطه الدعوي، حيث كرّس حياته لنشر الدين بين السكان المحليين حتى وافته المنية ودُفن بجوار المسجد. ويُعدّ هذا الموضع أول مقرٍّ لإقامة المسلمين في تلك المنطقة، وقد اشتهر هذا الموضع باسم ’بوا مكة‘ (Powa Makka)، وأصبح مقصدًا للزائرين والتبرك به.“
الشيخ أحمد علي (رحمه الله تعالى)
هو أحد أبرز المتصوفة والعلماء الأجلاء في ولاية آسام. وكان عالمًا ربانيًا كبيرًا قام بمكافحة الجهل والبدع والخرافات في المجتمع؛ وأشعل نور الإيمان الحقيقي في قلوب عامة الناس من المسلمين. وقد اهتدى على يديه عددٌ كبير من الناس، وتركوا كثيرًا من البدع والخرافات والمعاصي؛ وشهدت المساجد إقبالًا متزايدًا من المصلين، وازدادت أعداد الطلاب في المدارس الدينية، وأقبل الناس، رجالًا ونساءً، شبابًا وكهولًا، على تعلّم أمور دينهم والتمسك بتعاليم الإسلام. وخلال ما يقرب من أربعين عامًا، أنشأ عددًا كبيرًا من المكاتب القرآنية والمدارس والمساجد، وكان له دورٌ بارز في مواجهة ’الفتنة القاديانية‘ والحدّ من انتشارها في ولاية آسام.
وبكلمة أخرى، يمكن القول إن الشيخ أحمد علي رحمه الله تعالى كان صوفيا عملاقا ذا موهبة عجيبة، أسهم إسهامًا فعّالًا في خدمة الدين وإصلاح المجتمع الآسامي. وقد أثمرت جهوده المتنوعة في شتى المجالات من التعاليم الدينية والتربية الروحية والإصلاحية، وتعزيز الوعي الديني بين أفراد المجتمع.
الشيخ مصدّر علي (رحمه الله تعالى)
يُعدّ من أشهر المتصوفة والمصلحين في وادي باراك بولاية آسام. كرّس حياته للدعوة إلى تزكية النفوس، وتعزيز الوئام الاجتماعي بين المسلمين. عُرف بتقواه وبساطته وروحه الخدمية، مما جعله رمزًا للوحدة والأخوّة في المجتمع الآسامي. وقد ولد هذا الشيخ في منطقة غوبيندوبور التابعة لمقاطعة كاتشار، وتلقّى تعليمه العالي في ’دار العلوم ديوبند‘ الشهيرة، الواقعة في ولاية أترابراديش. وكان طالبًا ذكيًّا تَتَلْمَذَ على يد المحدّث الهندي الشهير مولانا حسين أحمد مدني رحمه الله تعالى، الرئيس السابق لدار العلوم ديوبند. وبعد تخرّجه، عُيّن مدرسًا في دار العلوم بانشكاندي، وعمل فيها مدةً طويلة. وإلى جانب ذلك، أسّس ’خانكاه‘ تحت اسم ”خانقاه مدني“ في قريته، والتي أصبحت مركزًا للدعوة والإرشاد والتربية الروحية. وكان الشيخ أول أمير للشريعة في ولاية آسام. وكان له عددٌ كبيرٌ من التلاميذ والمريدين في وادي باراك، وكذلك في مناطق أخرى من ولاية آسام. وتوفي سنة 1986م.
الشيخ طيب الرحمن باربهويا (1929-2019م) :
هو أحد أبرز العلماء والدعاة الإسلاميينَ في ولاية آسام. وقد عُرف بكونه مرشدًا روحيًّا عظيمًا. ساهم مساهمة كبيرة في مجالات التعليم والإصلاح الاجتماعي والعمل السياسي والفقه الإسلامي . ولد هذا العالم الجليل في أسرة عريقة بقرية ’رانغوتي‘ في مديرية هايلاكاندي بولاية آسام. وكان يرشد الناس بنشاطٍ كبير إلى كيفية تزكية النفوس من خلال ذكر الله سبحانه وتعالى وسلوك طريق التصوف. وقد أصبح أمير الشريعة الثاني في المنطقة الشمالية الشرقية للهند، خلفًا لمولانا مُصدِّر عليّ رحمه الله تعالى.
الشيخ عبد الجليل تشودهوري (1925- 1989م)
وهو يعتبر واحدا من العلماء الأجلاء في ولاية آسام، وقد عُرِف بشخصيته الروحية واهتمامه بالتصوف. واشتهر أيضًا بلقب الشيخ البدرفوري؛ لأنه قضى معظم حياته في مدينة بدرفور التابعة لمنطقة كريم غانج بولاية آسام. وقد كرّس جهوده للدعوة إلى تزكية النفوس والسير في طريق التصوف، وظلّ مداومًا على ذلك حتى وافته المنية سنة ١٩٨٩م.
خلاصة القول
يتبين من هذه الدراسة أن الدعاة والمتصوفة قد أخذوا يفدون إلى ولاية آسام منذ العصور الوسطى. وكان لهجراتهم إلى آسام أثرٌ بارز في انتشار الإسلام وترسيخ مبادئه في ربوع الولاية. إذ لم يعتمدوا في دعوتهم على القوة أو النفوذ السياسي، وإنما انتهجوا أسلوب الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، مع التركيز على حسن الخلق، والخدمة الإنسانية، والإصلاح الاجتماعي. وقد أسهم هؤلاء المتصوفة في إنشاء عددٍ كبير من الخانقاوات والزوايا الصوفية في مختلف مناطق آسام، فتحولت إلى مؤسسات دينية واجتماعية أدت دورًا مهمًا في نشر التعليم الإسلامي، والتربية الروحية، والإصلاح الاجتماعي. كما اضطلعوا بدور بارز في تزكية النفوس، وتعزيز القيم الأخلاقية، ونشر تعاليم الإسلام بين مختلف فئات المجتمع، معتمدين في ذلك على القدوة الحسنة، والسلوك القويم، والتربية على الأخلاق النبوية. وعليه، أصبحت هذه الخانقاوات والزوايا مراكز إشعاع ديني وثقافي، يقصدها الناس طلبًا للعلم والبركة، والمشاركة في الأنشطة الدينية والاجتماعية والروحية، الأمر الذي أسهم في ترسيخ الهوية الصوفية الإسلامية وتعزيز التماسك الاجتماعي في ولاية آسام.
المصادر والمراجع
1. Ahmed, P., Azan Fokiror Jivonkotha, Mamat Ali Foundation, Ambari, Guwahati-1, 2004.
2. Ahmed, S.U., Muslims in Assam (1200-2000), Marigold Compu Print, Nagaon. 1999.
3. Ansari, Muhammad Abdul Haq, Sufism and Sharia, Markazi Maktab Islami Publishers, New Delhi, 2004.
4. Ahmed, Abu Nasar Saied. Islamic Heritage in India’s North-east: Assam and Manipur, Akansha Publishing House, New Delhi, 2018.
5. Bhuyan, S.K., Annals of the Delhi Badshahate, Guwahati, 2016.
6. Qasimi, Maulana Abdul Quadir Qasimi (Editor), Sheikh Maulana Ahmed Ali Jeevan Aru Karma, 2010.
7. B. C. Allen, Assam District Gazetteers, Goalpara, Department of Historical and Antiquarian.
8. F. A. Qadri, Sufis and the Process of Islamization in the Pre-Colonial North-East India in Society and Economy in Northeast India, Vol-2, F. A. Qadri (ed.), Regency Publication, New Delhi, 2006.
9. H. S. Jarrett (tr.), The ‘Ain-i-Akbari, Vol. II, originally written in Persian by Abul-Fazl Allami, Low Price Publications, Delhi, 2008.
10. Malik, Dr. Abdul, Asomiya Musalman: Samaj Aru Sanskritir Abhax, p. 7
11. Mumtaz, Nahida, Sufis and their Contribution to the Cultural life of Medieval Assam in 16-17th Century, M.Phil. Thesis in History, AMU, p.78.
12. Shaykh Maulana Ahmad Ali (rah), Jeevan Aru Karma, Asom Rajjik Jamit Ulama, 2010.
13. Smrithi Grantha, Allama Tyeebur Rahman Barbhuya, 2019.
14. Tamizi, Mohd. Yahya, Sufi Movement in Eastern India, Idarah-i- Adabiyat-I Delli, Delhi, 2009
15. https://darululoom-deoband.com/arabicarticles/archives/3092
16. الدراسات العربية والإسلامية في شمال شرقي الهند، مكتبة أدام ، دهلي الجديدة، 2014، ص24
17. الآلوائي، الدنتور محي الدين ، الأدب الهندي المعاصر، الطبعة الأولى –القاهرة ، 1972م.




