Thursday , 17 June 2021 KTM College
Culture

لمحة إلى العلاقات الهندية العربية

24-April-2020
الدكتور محمد أسلم. أن.كى
رئيس قسم اللغة العربية وآدابها، كلية كى تي يم للدراسات المتقدمة، كرووفاراكند، ملابرام، كيرالا

متى بدأت تلك العلاقة؟ هذا سؤال كبير، ولكن الجواب سهل جدا، بدأت تلك العلاقة مع بداية تاريخ البشر. ولم تكن الهند مجهولة عند العرب، فقد عرفوها منذ قديم الزمان.
وهناك بعض الأساطيرعن العلاقات الهندية العربية القديمة، أنها كانت بين بلاد شبه القارة الهندية وبين بلاد العرب علاقات وروابط قبل تدوين التاريخ. "وتوجد أحاديث كثيرة تشير إلى أسطورة أن آدم عليه السلام – أبو البشر- عندما خرج من الجنة هبط على قمة جبل سيلان(دكتور زبيد أحمد – الآداب العربية في شبه القارات الهندية – ص- 49). هذه القصة ليست موجودة في الكتب الدينية فقط، بل وردت أيضا في كتب التاريخ والجغرافيا فقد ذكرها ابن قتيبة والمقديسي ويعقوب الحموي .
وفي الأسطورة أيضا خلاف حول المكان الذي مات فيه آدم عليه السلام، ويعزي الى حديث أو حديثين أن آدم مات في سيلان. ويحكي الحديث أن آدم قام برحلات الى مكة لا تقل عن أربعين رحلة كان يعود بعد كل منها الى سيلان. ويؤكد الحديث أيضا أن الحجر الأسود كان قد نزل مع آدم من الجنة في شكل ياقوتة لامعة وكان قد حمله معه الى مكة حينما أمره الله ببناء الكعبة. ويعزي الى أحد الأحاديث أن قصة هابيل وقابيل قد حدثت في مكان ما بالهند(الشيخ غلام على آزاد – سبحة المرجان – ص، 48- 60 (مأخوذة من الفصل الأول)). ويؤخذ من هذه الاسطورة أن بلاد العرب وبلاد شبه القارة الهندية كانتا على علاقات واتصالات مع بعضها منذ بداية حياة البشرية على وجه الأرض.
نظرة إلى عادة العرب
وكان العرب يذهبون إلى دول شتى لأغراض تجارية ويسيرون من مدن مصر والشام على سواحل البحر الأحمر، برا إلى الحجاز ثم إلى اليمن وبعد ذلك كانوا يبدأون رحلتهم بالبواخر الشراعية، وإن بعضا منهم كانوا يذهبون إلى إفريقيا وبعضا منهم يذهبون إلى ساحل بلوجستان في تيز أو ميناء ديبل (كراتشي) عن طريق حضرموت وعمان والبحرين (الدكتور أشفاق أحمد – مساهمة الهند في النثر العربي خلال القرن العشرين –ص 1).
"ومما لا شك فيه أن سواحل الهند الغربية والجنوبية كانت معروفة لدى العرب منذ أقدم العصور بسبب الروابط التجارية بين موانئ هذه السواحل وبين السواحل العربية منذ قرون قبل فجر الإسلام في مستهل القرن السابع الميلادي"( المصدر السابق، نفس الصفحة).
وكانوا يتاجرون معا ويردون جزائرها وسواحلها قبل الإسلام بقرون كثيرة، فتطورت العلاقات الهندية العربية عبر سنوات طويلة منذ فجر التاريخ. يقول البيروني إن معرفتنا بالهند لا تتعدى العجيب والغريب من حكاياتهم، لذا أطلق عليها العرب بلد ''العجائب والغرائب'' رغم أن العرب أدوا دور الوسطاء في نقل التجارة من وإلى شبه القارة الهندية، ورغم أن الخليج العربي أدى دورا مهما في النشاط التجاري مع الهند، وقد لا يعرف كثيرون أن الاتصال الفعلي بين الهند والعرب يعود الى ما قبل الاسلام. ونفهم من مجلة ثقافة الهند: العرب كانوا يفدون إلى الهند قبل قدوم الإسكندر الأعظم بقرون عدة، فطبقا للتوراة كان الإسرائيليون يتجرون مع الهند في عهدي داود وسليمان عليهما السلام(مجلة ثقافة الهند – يوليو- 1964م ، ص 55-56 (نقلا عن اشفاق أحمد – مساهمة الهند في النثر العربي خلال القرن العشرين، ص-3)). ورغم ذلك "أن الموقع الجغرافي المتميز ساعد الهند كثيرا في إقامة صلات ثقافية وتجارية مع العالم العربي منذ عهد قديم"( S.B Parekh, Indian Economic Geographi,(1st edition, Delhi)).
أضف إلى هذا أن قول الأستاذ جمال الدين الفاروقي: " في العهد القديم أن الإسرائيليين كانوا يتجرون مع الهند في عهد داود عليه السلام، وكانت السفن التجارية في تلك الأيام تصل مرة في كل ثلاث سنوات ميناء ‘أوفير‘ بالسواحل المليبارية ، وهو الميناء المعروف باسم (Beypore ) الواقع على بعد سبعة أميال من مدينة كالكوت مطلا على البحر العربي، وتبعهم اليونان والرومان في التجارات البحرية مع الهند"( الدكتور جمال الدين الفاروقي – أعلام المؤلفين بالعربية في البلاد الهندية – ص- 11). ونفهم من هذه الأقوال كانت العلاقة بينهم قديمة جدة.
فتجارة الهند البحرية ظلت في أيدى العرب منذ عهد يوسف عليه السلام إلى أيام فاسكودي غاما.(الدكتور محي الدين آلواي – الدعوة الإسلامية وتطورها في شبه القارة الهندية- ص- 53) وتحمل التجار من هناك الذهب والفضة والمجوهرات والبخور والعاج والقردة والطوارس وغيرها."(نفس المصدر) وقد ألقى بعض العلماء الضوء على تأثير التجارة الهندية في رخاء البلاد العربية الجنوبية قائلا: يرجع رخاء البلاد العربية الجنوبية في ذلك العصر- عهد البطالسة – إلى التجارة بين مصر والهند، إذ كانت المراكب القادمة من الهند ترسو هنا وتنقل حمولتها إلى الساحل الغربي، ثم تحولت التجارة عن هذا الطريق لأن البطالسة فتحوا طريقا بين الإسكندرية والهند(نفس المصدر – ص- 46). وذهب بعض الباحثين الهنود إلى أن مكة المكرمة كانت سوقا كبيرا في ذلك الوقت للبضائع الهندية(History of British India, vol.1, chapter 1, Hunter). وقد لعبت عوامل ثلاثة دورا أساسيا في إقامة هذه الصلات الوطيدة بين القطرين وهي الحياة الإجتماعية للامة العربية والأسواق التجارية للبضائع الهندية القائمة مدن السواحل العربية والطرق البرية والبحرية التي كانت تربط بين شبه القارة الهندية وبلاد العرب(الدكتور محي الدين آلواي – الدعوة الإسلامية وتطورها في شبه القارة الهندية –ص – 38-39).
والعلاقات بين العرب والهنود تعود إلى ما قبل الإسلام كما قلنا سابقا، أتوا تجارا إلى ساحل الهند الجنوبي والغربي لا غزاة ولا مقاتلين، وأقاموا على الساحل الهندي وتزاوجوا مع السكان الهنديين، لقد دخل الإسلام أيضا معهم لأنهم كانوا فيه في جنوب آسيا قبل الفتوحات الإسلامية لشبه القارة الهندية في القرن الأول الهجري، ومن خلال هذا الاختلاط حصلت ثقافة وراثية متلونة من الجاليات العربية تشمل العنصر الفارسي والتركي والمنغولي والعربي. ينحدر "مسلمو الموبلا"، في جنوب الهند وبالتحديد في ولاية كيرلا، من نسل التجار العرب.
وبنى أول مسجد هندي في كيرلا عام 621 م على أيدي من حكام أسرة ‘تشيرامان بيرومال‘(تشيرامان بيرومال:Cheraman Perumal)، الذي دخل الإسلام في حياة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم في "كودونغالور(Kodungalloor)" بجنوب الهند، وأدت هذه الأعمال إلى انتشار الإسلام في مليبار. وتقول الأسطورة إن الملك تشيرامان بيرومال ارتحل إلى الحجاز لمقابلة النبي محمد صلى الله عليه وسلم واعتنق الإسلام. وعلى مدى قرون توطدت العلاقة بين مسلمي الموبلا والتجار العرب مما كان له عميق الأثر على حياتهم وثقافتهم. ونتج عن هذه الثقافة الأدب والأغاني والموسيقى والرقصات واللغة الخاصة بهم وهي الماليالامية العربية. وذكر المؤرخ ويليام لوغان في كتاب "دليل مليبار"( Malabar Manual) أنه في مطلع القرن التاسع، أصبح للمسلمين هوية مميزة. تزوج العرب، الذين قدموا إلى هنا واستقروا، من السكان المحليين ونشأ من ذلك مجموعة فريدة تدعى مسلمو الموبلا. يشكك البعض في صحة هذه الرواية، لكن علاقة مليبار بالمسلمين عبر التجارة البحرية حقيقية. لذا إذا لم يترسخ الإسلام في مليبار خلال عشر سنوات منذ الهجرة، فعلى الأقل حدث ذلك بعد مائة أو مائتين عام من انتشار الإسلام في شبه الجزيرة العربية. وكانت هناك علاقات تجارية بين العرب والهنود منذ قديم الأزل، فقد اعتاد التجار العرب زيارة منطقة مليبار حتى في حقبة الجاهلية، مما ربطهم بمواني جنوب شرقي آسيا. كان العرب ممن اعتنقوا الإسلام حديثا هم أول المسلمين الذين اتصلوا بالهند.
فوائد العلاقة
وبدأت العلاقات الهندية العربية تتوثق من جديد منذ ان انبثق نورالإسلام في شبه القارة الهندية في القرن الأول للهجرة، والفضل في هذا أيضا يعود إلى التجار العرب الذين لم يألوا جهدا في نشر الإسلام والثقافة العربية الإسلامية في سواحل الهند الغربية والجنوبية (أشفاق أحمد – مساهمة الهند في النثر العربي خلال القرن العشرين _ ص- 5) فأول أسطول مسلم ظهر في المناء الهندية في عام 636م في عهد الخليفة عمر رضي الله عنه، وذلك لما أرسل والى البحرين وعمان جيشا إلى "تانا"، ولما رجع الجيش الإسلامي من تانا تحت قيادة الحكم ابن أبي العاص الثقفي، كتب عمر رضي الله عنه ليعلمه بذلك، فكتب إلى عمر رضي الله عنه "يا أخا ثقيف حملت دودا على عود وإني أحلف بالله أن لو أصيبوا لأخذت من قومك مثلهم(نفس المصدر – نفس الصحفة). وكان ذلك في عام 15 للهجرة (636) وفي عهد عمر رضي الله عنه نفسه فتح المغيرة بن العاص ميناء ديبل، اكتشف طريق البحر إلى الهند في عهد الخليفة الثانية وجمعت معلومات كثيرة عن الهند، وقد أفادت هذه المعلومات لفتح السند الذي قام به محمد بن قاسم الثقفي في القرن الثامن، ويؤيد هذا ما أشار إليه ياقوت الحموي: " والديبل من ناحية السند، مدينة على ساحل بحر الهند، ووجه إليه عثمان بن أبي العاص ففتحه(ياقوت الحموي – معجم البلدان –2/495) يقول الأستاذ أشفاق أحمد: بدأ الاتصال بين الهند والعرب في أواخر القرن الأول من الهجرة أيام الوليد بن عبد الملك (82-96هـ) على يد محمد بن القاسم وذلك باستيلاءه على بلاد السند من القطر الهندي بأمر من والي العراق حجاج بن يوسف الثقفي،( أشفاق أحمد- مساهمة الهند في النثر العربي خلال القرن العشرين، ص-6 ) وظللت السند في أيدي العرب قرنين أو أكثر
وقد قامت تلك العلاقات الطويلة القديمة والاتصالات البينة الجديدة على التبادل الثقافي، والهجرات وحركة السكان فضلا عن التبادل التجاري. واستمرت تلك الصلات في العصر الإسلامى، وفى ظل الاستعمار البريطانى الذي كانت طرق مواصلاته للهند من أبرز القضايا التي أصبحت قاسما مشتركا لحركات التحرر الوطنى في الهند والعالم العربي.
وبالخلاصة، معلوم هنا، أن الهند لها تراث علمي كبير وثقافي عظيم غزير، وهو تراث قرون وأجيال ورجال كرسوا حياتهم لتنشيط حركة العلوم وانتشار اللغة العربية نثرا وشعرا. "وقد نما التأليف الإبداعي والإنشاء الفكري في معظم فروع الأدب العربي، وخاصة في العلوم الدينية من التفسير والحديث والفقه وأسرار الشريعة، والعلوم العقلية من الفلسفة والمنطق وعلم الكلام، والعلوم اللغوية من النحو والبلاغة وفقه اللغة والمعاجم . كما يأتي في إطاره القصائد العربية ذات البناء المتين والصياغة الرائعة"( الدكتور جمال الدين الفاروقي – أعلام الأدب العربي في الهند –ص- 5) .
ومنذ دخول العربية ربوع الهند بوساطة التجار العرب بدأت الثقافة العربية تتسرب إلى مناطقها المختلفة وخصوصا بعد الفتح الإسلامي الذي قاده محمد بن قاسم الثقفي إلى بلاد السند. وفي هذه الفترة قدم عدد كبير من العلماء المرموقين والشعراء المتفوقين إلى الهند من أمثال الشاعر العربي المشهور أبو عطاء السندي ورجاء السندي.
رغم هذه الاتصالات كلها التي ذكرنا، تكون هناك اتصالات وثيقة أخرى بين الهند والعرب في مجال التبادل الأدبي، منها: الاتصال التجاري، وفي الحقيقة لا يدخل في الأدب مباشرة ولكن أدخل بهذا الاتصال كثيرا من الكلمات الهندية الى اللغة العربية مثل صندل وكافور وقرنفل وما الى ذلك.