Thursday , 17 June 2021 KTM College
Literature

تصوير مهاتما غاندي في الأدب العربي الحديث

24-April-2020
حليمة. بي
الجامعة الملية الإٍسلامية، نيو دلهي

مهاتما غاندي هو واحد من "أعظم عبقريّة سياسيّة عرفتها حضارتنا " مثل ما قال ألبرت أينشتين. و حياة هذا الزعيم و أفكاره و فلسفاته مشهورة جدّا في كلّ أنحاء العالم. و لقد تأثّر الكثير من كبار قادة العالم و زعمائها به و بفلسفاته. و منهم ألبرت أينشتين، و مارتين لوثار كنج، ونيلسون مانديلا، وياسر عرفات وغيرهم. و تأثّر به أيضا كثير من الكتّاب والأدباء من أماكن شتّى بما فيهم الأدباء العرب طبعا. وفي هذا البحث ندرس عن كتابة أدباء العرب عنه في أعمالهم الأدبيّة.
تصوير غاندي في كتابة أحمد شوقي
كان أمير الشعراء أحمد شوقي واحدا ممّن تأثّر بغاندي. و يظهر هذا في قصيدته "بني مصر" حيث يثني غاندي على شخصيّته ونظره. أنشد شوقي هذه القصيدة عندما نزل غاندي في مصر وهو كان في طريقه إلى لندن للمشاركة في مؤتمر المائدة المستدير الثانية عام 1931م. وأراد غاندي أن يناقش مع إخوانه من مصر لأنهم كانوا أيضا تحت الاستعمار البريطانيّ مثل الهنود ، واجتمع في بور سعيد بعض كبار شخصيّات من حزب الوفد ورأس لهم مصطفى باشا النحاس. و لقوا غاندي على ظهر السفينة التي كان يسافر فيها.
وفي هذه القصيدة يبدأ شوقي بدعوة الأمة المصريّة لترحيب غاندي بالورود لأنه يعدّ غاندي زعيما للمصريّين أيضا في مطالبة الاستقلال من قبضة البريطانيّين لأن الأوضاع السياسية والاجتماعية متشابهة بين الهند ومصر. وهو يقول:
أَخوكُم في المقاساةِ           وَعَركِ المَوقِفِ النَكدِ
وَفي التَضحِيَةِ الكُبرى       وَفي المَطلَبِ وَالجُهدِ
وَفي الجُرحِ وَفي الدَمعِ      وَفي النَفيِ مِنَ المَهدِ
وَفي الرِحلَةِ لِلحَقِّ            وَفي مَرحَلَةِ الوَفدِ
علاوة على ذلك كان أحمد شوقي مثل مهاتما غاندي يعتقد في التسامح والتعاون بين المختلفة في أديانهم .
وأبدى شوقي محبته لغاندي في اتخاذ الوحدة الوطنية بين الهندوس والمسلمين . وكان البريطانيون يفرّقون بين الهندوس والمسلمين لنيل فائدتهم السياسية، وكانوا يستخدمون هذه السياسة الفاحشة لفشل الحركات الاستقلالية ضدّهم. وأثنى الشاعر أحمد شوقي على مساهمات غاندي في هذا الصدد و شبّهه بنبيّ مرة وبالمهديّ مرة أخرى و نرى هذا في قوله:
نَبِيٌّ مِثلُ كونفُشيو            سَ أَو مِن ذَلِكَ العَهدِ
قَريبُ القَولِ وَالفِعلِ           مِنَ المُنتَظَرِ المَهدي
شَبيهُ الرُسلِ في الذَودِ        عَنِ الحَقِّ وَفي الزُهدِ
لَقَد عَلَّمَ بِالحَقِّ                 وَبِالصَبرِ وَبِالقَصدِ
وَنادى المَشرِقَ الأَقصى      فَلَبّاهُ مِنَ اللَحدِ
وَجاءَ الأَنفُسَ المَرضى       فَداواها مِنَ الحِقدِ
دَعا الهِندوسَ وَالإِسلا        مَ لِلأُلفَةِ وَالوُدِّ
بِسِحرٍ مِن قُوى الروحِ       حَوى السَيفَينِ في غِمدِ
وَسُلطانٍ مِنَ النَفسِ           يُقَوّي رائِضَ الأَسدِ
وَتَوفيقٍ مِنَ اللَهِ               وَتَيسيرٍ مِنَ السَعدِ
وَحَظٍّ لَيسَ يُعطاهُ             سِوى المَخلوقِ لِلخُلدِ
وَلا يُؤخَذُ بِالحَولِ             وَلا الصَولِ وَلا الجُندِ
وَلا بِالنَسلِ وَالمالِ            وَلا بِالكَدحِ وَالكَدِّ
وَلَكِن هِبَةُ المَولى             تَعالى اللَهُ لِلعَبد
وفي أبياته التالية يقرأ الشاعر أحمد شوقي السلام على غاندي حيث يناديه بالأوصاف الحميدة التي اشتهر غاندي بها بين الأ مم . واستخدم الشاعر عدّة ألقاب في قصيدته مثل "حالب الشاة" مشيرا إلى أن غاندي كان يشرب لبن الشاة حالبا بنفسه واستخدم أيضا "غازل البرد" مشيرا إلى أنه يغزل ثيابه بالمغزل بنفسه. وكلّ هذه تشير إلى أن نظرية غاندي عن الحياة هي أن السبيل الوحيد إلى السعادة هو الزهد ويلفت أمير الشعراء أحمد شوقي في هذه الأبيات أنظار القراء إلى نفس النظريّة حيث يقول :
سَلامٌ حالِبَ الشاةِ                 سَلامٌ غازِلَ البُردِ
ويشير شوقي في قصيدته إلى واقعيّة "مسيرة الملح" التي هي واحدة من الطرق ابتكرها وطبّقها مهاتما غاندي للإضراب والاحتجاجات ضدّ الاستعمار البريطاني على أساس فلسفته المشهورة "اللاعنف أو الأهمسا والعصيان المدني" و يشير أيضا إلى مشي غاندي إلى داندي واعتقاله تبعا لها، يعرف مسيرة الملح بأسماء عصيان الملح ومسيرة داندي و عصيان داندي أيضا. و كان غاندي قائد هذه المسيرة و رافق معه 80 شخص. و تمّت هذه المسيرة في 24 يوم عام 1930 وكانوا يمشون 10 أميال في يوم واحد وبدؤوا هذا العصيان المدني من منطقة سابارماتي أشرم إلى قرية داندي واستمر العصيان تقريبا لمدّة عام واحد وسجن كثير من المشاركين في هذه المسيرة مع غاندي. يشيد شوفي :
وَمَن صَدَّ عَنِ المِلحِ               وَلَم يُقبِل عَلى الشُهدِ
وَمَن تركَبُ ساقَيهِ                مِنَ الهِندِ إِلى السِندِ
سَلامٌ كُلَّما صَلَّيـ                   ـتَ عُرياناً وَفي اللِبدِ
وَفي زاوِيَةِ السِجنِ                وَفي سِلسِلَةِ القَيدِ
ولعبت "مسيرة الملح" دورا مهمّا في النظال ضد الاستعمار وفي توفير حقوق المواطنين، وأصدر حزب المؤتمر الوطني الهندي قرارا طالبا بالاستقلال الهندي تماما. وتسبّبت هذه الحركة لانتشار المقاومات والمكافحات إلى جميع أنحاء الهند وصار البريطانيون مجبرين على دعوة رأساء الهند الى مؤتمر المائدة المستديرة ويقول الشاعر أحمد شوقي في قصيدته معبرا عن هذا:
وَلاقي العَبقَرِيّينَ                  لِقاءَ النِدِّ لِلنِدِّ
واستخدم الشاعر أحمد شوقي كلمة "النِدِّ لِلنِدِّ" مشيرا إلى أنّ مؤتمر المائدة المستديرة تعقد مع المساواة بين جميع من يشارك فيها وينصح الشاعر أحمد شوقي رئيس الهند غاندي بأن يحذر خيانات البريطانيين في المؤتمر لأن المصريّين لديهم خبرات كثيرة في هذا الأمر، حيث يقول:
مِنَ المائِدَةِ الخَضرا             ءَ خُذ حِذرَكَ يا غَندي
وَلاحِظ وَرَقَ السيرِ             وَما في وَرَقِ اللوردِ
وَكُن أَبرَعَ مَن يَلـ               ـعَبُ بِالشَطرَنجِ وَالنَردِ
ويذكّر الشاعر أحمد شوقي زعيم الهند مهاتما غاندي بأنّ هذه خطّة مهمّة والخطوات الدبلوماسية ضرورية، وإذا أخطأ فيه سيصيب الشعب الهندي تماما حيث يقول:
وَعُد لَم تَحفِلِ الذامَ               وَلَم تَغتَرَّ بِالحَمدِ
و يختم الشاعر قصيدته مع تفاؤل تامّ في توفير الاستقلال على يد غاندي فيقول:
فَهَذا النَجمُ لا تَرقى             إِلَيهِ هِمَّةُ النَقدِ
وَرُدَّ الهِندَ لِلأُمـ                 ـةِ مِن حَدٍّ إِلى حَدِّ
تصوير غاندي في كتابة عبّاس محمود العقّاد
كان عبّاس محمود العقّاد ايضا ممّن تأثّر بغاندي كثيرا. ويبحث العقاد عن الهند وعن غاندي في كتابه "روح عظيم" وينظر إلى الهند من قبل غاندي حيث يقول عندما يبحث عن تاريخ الهند أنّ سكّان الهند ليسوا أبناء قوميّة واحدة حيث ليس لديهم أيّ عنصر قوميّ يجمعهم و ليس لديهم لغة وعقيدة ودولة التي تجمعهم جميعا. و لذا ليس لهم أيّ من حاسّة الوطنيّة أو القوميّة واحدة طوال تاريخهم القديم. ولكنّ الذي يجمعهم جميعا هو شعور آخر يعني الحاسّة الدّينيّة أو الرّوحانيّة أو الأخلاقيّة و لا دخل فيها لقوّة سياسيّة مثلما يوجد في الأمم الأخرى.
و يفسّر العقّاد فهمه في هذا الموضوع مشيرا إلى غاندي حيث "يقارن بين السوراج والأهمسا أو ضبط النفس ومقاومة العنف بالحسنى".و بهذا يقدّم غاندي الأهمسا على السوراج لأن الأهمسا هي أن يحكم الإنسان على نفسه والسوراج هي أن يحكم الإنسان بلاده أو الخلاص من الحكومة الأجنبيّة. وبالجملة أنّ الهنود كما فهم العقّاد لهم الحاسّة الرّوحيّة الّتي تخالف الحاسّة الوطنيّة أو القوميّة اللّتين عرّفهما الغرب.
تصوير غاندي في كتابة سلامة موسى
كتب عديد من الكــتّاب المصريّين عن غاندي وأفكاره و نظريّاته في المقاومة ضدّ الاستعمارات الانجليزية. ومن أشهر هؤلاء الكتّاب سلامة موسى المفكّر المصري الّذي ألّف كتاب باسم "غاندي والحركة الهنديّة". أثنى سلامة موسى في هذا الكتاب على فلسفاته ما يشمل فيها المقاومات اللاعنفيّة والعصيان المدني و عدم الطاعة والتعاون.
يقول سلامة موسى في كتابه "غاندي والحركة الهندية" عن أهمّيّة فهم تجارب الأمم الأخرى في الطرق والوسائل إلى الاستقلال من الاستعمار. و في هذا الصدد يقول سلامة موسى أن هناك أمرين عندما حصر نظريّات غاندي.
1. أن غاندي دعا إلى الاستقلال النفسي والاعتماد على القوّة الروحيّة.
2. إن غاندي دعا إلى الاستقلال الاقتصادي باجتناب المنتجات الخارجيّة الأجنبيّة الواردة واستخدام المنتجات الدّاخليّة الهنديّة بدلا عنها.
يقول سلامة موسى بعدما قام بتحليل هذين المبدأين، الأول هو روح الهند روح النسك، و لا يكاد يراه الانسان في أيّ بلدان أخرى. وفي رأيه النسك أمر سلبيّ للحياة. ولا يوافق مع مزاج المصريّين. يعجبهم أمتعة الدّنيا وبهذه الأسباب وهو لا يحثهم على اتّخاذ هذا الطريق في سبيل مقاومة الاستعمار. ويعبّر موسى عن الثاني هو من مكافحة الاستعمار الّتي يجب على المصريّين أن يتّخذوها من غاندي و يعملوا به، لأن غاندي يحظ الهنود على استخدام الملابس الهنديّة بدلا من الملابس الأجنبيّة المستوردة. فيوجد في نفوس النّاس الجرء على الحياة بلا خوف للإقدام والإقبال في الحياة. وأدّى هذا القانون لاعتماد الهنود على أنفسهم لكلّ شيء حتّى الطعام الذي يزرعونه في أرضهم. فلا تصل نقودهم إلى الجيب الأجنبي. وفي العالم ليس هناك شيئ لهدم الاستعمار مثل الصناعة الوطنيّة وعلّم غاندي الهنود فهم الأجنبي غريبا في بلادهم.
وجعل غاندي المغزل رمزا لهذه المكافحة ويقول موسى للمصريّين أن يتّخذوا النّول رمزا للمكافحة الاقتصادية حيث لا يستطيعون الانتفاع بالغزل اليدوي والنّول المصري يمكنه المنافسة في السوق التجاري أمام النول الأوربي وينصح المصريّين لتعميم النول بين القرويّين الفلّاحين والمدنيّين رجالهم و نسائهم.
و بالجملة أن أدباء العصر الحديث مثل أحمد شوقي وعباس محمود العقاد وسلامة موسى هم ممن تأثّروا بحياة مهاتما غاندي وفلسفاته وصوّروا عنه في كتاباتهم ودعوا العرب عموما والمصريّين على وجه الخصوص لاتباع غاندي وأفكاره في المقاومة ضدّ الاستعمار الأجنبي.  

المصادر و المراجع
1. د. لياقت علي - فى مناسبة الذكرى الخمسين بعد المائة لميلاده.. حياة ورسالة الزعيم المهاتما غاندي في شعر أحمد شوقي - دار المعارف - 29 أكتوبر، 2019
2. عباس محمود العقاد - روح عظيم المهاتما غاندي - شركة فن الطباعة - القاهرة – ١٩٧٧
3. سلامة موسى - غاندي والحركة الهندية - مؤسسة هنداوي - 2012
4. Ali, Abdul. Image of Ghandhi in Arabic literature, New Delhi:Educreation Publishings, 2018
5. Omar al Haqqaq, Gandhi in Modern Arabic Literature, Edited B.R Nanda, New Delhi, Indian Council for Cultural Relations, (1995), p.95.