Monday , 15 August 2022 KTM College
Culture

التعدد اللغوي ودوره في تعزيز المواطنة الدولية والتفاهم الثقافي

31-March-2022
عادل عفان
باحث الدكتوراة في الجامعة الملية الإسلامية، نيودلهي

 إذا ألقينا نظرة على التاريخ وعلى عالمنا المعاصر وجدناه مليئا بالفتن في ظل سيادة الفوضى والدمار والقتل والإبادة الجماعية والصراعات الإقليمية والدولية. فالبشرية اليوم أمام مواجهة أزمات ومشاكل في كل أنحاء العالم ولاسيما في منطقة الشرق الأوسط، تتعلق بالحياة الاجتماعية أوالسياسية أوالثقافية، ولربما كان من الأنسب لهم أن يتضافروا جهودهم في سبيل حل أزماتهم، ولكن كل مجتمع من المجتمعات ينصرف إلى مشاكله الخاصة به، فانتشرت بذلك فوضى في مجتمعهم.
إن البحث عن أسباب تلك الحروب والنزاعات بين الأمم والدول، وتشريد ملايين البشر وتخريب المدن العامرة وتدمير الثروات، يقودنا إلى النتيجة أن أهم أسباب هذا الفساد هو الطمع الدولي في الثروات الطبيعية للدول الضعيفة، وبالتالي محاولة الدول القوية هي رسم الحدود الفاصلة بين الدول على أساس اللغة والعرق والدين. فيا حبذا لو كنا قادرين على القضاء على التمييز العنصري القائم على الدين و العرق واللغة فتنتهى النزاعات والصرعات بين الأمم والدول، وبينما تشتد الحملة العدائية ويزداد التمييز العنصري والتعدي على الحرية الدينية، نحن على متن السفينة البشرية التي تشق طريقها في بحر المجهول تتلاطمها أمواج الاضطرابات السائدة، وبما أنه يقع على عاتقنا إيصالها لبر الأمان، يبدو الحل الأمثل في ترسيخ مفهوم المواطنة الدولية.

تعريف المواطنة الدولية
المواطنة تعني تمتع الفرد بعضوية دولة أو بلد والاستمتاع بكافة الحقوق التي تجلب له هذه العضوية، ولكن المواطنة الدولية هي الشعور بالانتماء إلى الجنس البشري قاطبة من دون حدود جغرافية أو لغوية أو دينية أو عرقية حيث يتمتع الفرد في المجتمع بشرف وكرامة وطمأنينة وأمان في ظل نظم وقوانين حقوق الإنسان وليس في ظل نظام الدين أو العرق أواللغة، بحيث لا تشغله هموم الذات عن أمور المصلحة العامة بل تهمه المصالح والغايات المشتركة فيرغب في التعاون والتكامل والعمل الجماعي المشترك. إنه انتماء لا يفرق بين مواطن وآخر وفقا لدينه أو لونه أوبلده، لم يكن هناك أحد يدعو إلى عصبية ولا أحد يقتل على عصبية ولا أحد يموت على عصبية. إنه انتماء تسوده الوحدة والاحترام والمساواة بين الأفراد الذين يشكلون بنيانا مرصوصة. وفي سبيل تحقيق هذا الانتماء يبرز دور التفاهم الثقافي في خلق هذا الجو.

ماهو التفاهم الثقافي
لقد أصبح العالم البشري اليوم بمثابة قرية واحدة، وذلك بسبب التقارب الحاصل بين سكانه رغم اختلاف بعضهم عن بعض في الوطن والاتجاه، ولسهولة الإطلاع على أحوال سكان العالم مع تعدد بقاعه وأوضاعه المختلفة ولتقارب حاجاتهم من متطلبات الحياة العصرية. وذلك يقتضي أن يكون بينهم تفاهم وتعاون في شؤونهم المشتركة لتحقيق التعايش السلمي، و يتطلب منهم التفاهم فيما بينهم، وذلك باختيار طريق الحوار والنقاش والتواصل بين مختلف طبقاتهم ودوائرهم الدينية والإجتماعية، هذه هي أقرب طريقة وأنجحها للوصول إلى التضامن والتعايش السلمي في ظل ما تقتضيه الحياة المعاصرة.
كما نعرف أن هناك قيماً ثقافية ومثلاً دينية فى كل المجتمعات الإنسانية والتي يمكن التوافق عليها، فان العالم المعاصر في ظروفه الراهنة يفتقر إلى اختيار الحوار المتبادل في مختلف أقطاره وشعوبه. فأن عقد الحوار بين الأطراف المختلفة من سائرطبقات الناس ودياناتهم من أهم ما يساعد في التغلب على العداوة التي يثيرها بعض العناصر في العصر الحالى. وحينما تجتمع الأطراف المختلفة على قيم إنسانية مشتركة يسهل التعاون والتوافق بين هذه الأطراف في العالم، ويزول الصدام الذي سماه المفكر الاميركي صموئيل هنتغتن " بصدام الحضارات". كما أشرت أنه هناك في جميع الأديان من العالم قيم إنسانية عادلة يمكن التوافق عليها، وهي التي يجب أن تكون أساسا للحوار حتى يتفق الناس على المبادئ المشتركة، فحينما يكون الحوار مبنيا على هذه المبادئ يأتي بنفع كبير، والمجتمع الإنسانى اليوم هو أحوج ما يكون إلى مثل هذا الحوار.
ولن يكون ذلك ممكنا إلا اذا كان الفرد متمكنا من لغات عديدة، فإن اللغة هي المفتاح الأساسي لتواصل البشر مع بعضهم البعض وتبادل الأفكار والمشاعر وغيرها من الأمور المختلفة، لأن العادات والتقاليد تختلف باختلاف الدول والشعوب، وتختلف معها الألسن واللغات، وتأتي حاجة الإنسان الملحة إلى التواصل مع الغير حتى يتعرف عليهم وعلى عالمهم الغريب والجديد عنه. ومع التقدم التكنولوجي الذي حوّل العالم إلى قرية واحدة وأصبح هناك انفتاح على الثقافات والحضارات الأخرى، فقد ازدادت أهمية التعدد اللغوي. لولا التعدد اللغوي لما استطاع الإنسان أن يفهم الآخر، ولا يمكن لنا أن نحصل على العديد من الاختراعات التي نجدها في يومنا هذا.
لقد ازدهرت الإنسانية في ظل العولمة والتكنولوجيا الفائقة والحضارة الحديثة، وسهلت الحياة في جوانب كثيرة وساعدت الإنسانية بها وحلّ كثير من المشاكل التي كانت تعاني منها الإنسانية منذ قرون طويلة. وكان اكتشاف سفينة بخارية ومراكب تجري بالبخار والبترول اكتشافا مدهشا في زمن ما، ولكن قد شهد زمننا هذا اكتشافات مذهلة ومراكب تفوق سرعتها عن الصوت والضوء، فتقدم العلم تقدما هائلا، بحيث أصبح العلم لا يقتصر على أصحاب لغة معينة فوجد بذلك عدد ملحوظ من العلماء والباحثين في كل موضوع من مواضيع العلم في معظم البلدان، وهذا ما جعلنا في سباق دائم مع الزمن، نظرا إلى كل ذلك تتضاعف أهمية التعدد اللغوي لكي يستفيد الإنسان من المعلومات المتنوعة من مختلف الشعوب والأمم في العالم. كما أن تعلم اللغات المختلفة تساعدنا في الحصول على المعلومات بشكل أكبر وأدق وأوسع. وكذلك وجود الإنترنت قد سهل الأمر وفتح المجال للناس من شتى البلدان للتواصل مع بعضهم البعض.

الهند مثال أفضل للتعددية الثقافية واللغوية
أريد أن أشارك في هذا المقال تجربتنا في الهند في مجال الوحدة في التعددية، وكيف تساعدنا هذه التعددية على التعايش السلمي فيما بين الطبقات والديانات، فنحن في هذه البلاد الواسعة بلاد الهند التى يتجاوز تعداد سكانها عن ملياروربع مليار نسمة ويمثل خُمس سكان العالم وتحتضن عددا هائلا من الحضارات والديانات والثقافات واللغات نتعايش كشعب واحد من دون مشاكل كثيرة ونتفاهم بعضنا البعض على رغم اختلاف أدياننا وثقافاتنا ولغاتنا، وإذا قارنت رجلا من شمال الهند مع رجل من جنوب الهند فإنك ستجد بينهما بونا شاسعا في اللغة والثقافة واللون والدين، شتان ما بين هذا وذاك، ولكن رغم هذا الاختلاف سترى أنه يسود جوالوئام والمحبة والأمن والأخوة ويربطهم عنصر الوحدة الوطنية. فالناس رحماء في تعاملهم مع بعضهم البعض ويتعاونون ويتعايشون بالمحبة والرحمة والملاطفة وصلة الرحم. وفي معظم الأوقات يعامل الإنسان مع أخيه معاملة العطف والتعاون، ويساعد جيرانه مهما كان انتماؤهم، وربما تكون هناك مؤامرة خفيفة ومكائد سرية تدبرها أعداء الإنسانية لإبادة هذا التعايش السلمي. ومعظم الناس في الهند يتكلمون أكثر من لغة وينتمون إلى ثقافات متنوعة وديانات مختلفة، وهذا الشيء يشكل حديقةً توجد فيها أنواع من الزهور والأشجار. أما بالنسبة لي فأنا أتكلم خمس لغات وهي الإنجليزية،والعربية، والأردوية، والهندية والبنجالية، وأنا أستفيد أكثر بكوني جزء من هذه التعددية اللغوية بحيث أستطيع أن أتكيف حسب المكان والمجتمع وأتمتع بالثقافات المتنوعة، وأتعرف عن قرب على الحضارات المختلفة.

جامعتي رمز للتنوع الثقافي
أما جامعتي التي أدرس فيها وهي إحدى الجامعات المرموقة في الهند، التي تشتهر ببيئتها المساعدة لتلاقح الأفكار والثقافات بفضل ما تحتضنه من تعدديات هائلة، حيث يدرس فيها الطلبة من جميع أنحاء الهند وخارج الهند، ويعيشون في ظل مشاعر الإخاء والمودة المتبادلة واحترام الآخر والتسامح ونبذ كراهية الآخر رغم اختلاف جنسياتهم ولغاتهم وثقافاتهم، ويبدو للناظر كأنهم منحدرون من أسرة واحدة ويشكلون المجتمع الذي يصح عنه القول: "مثل الجسد الواحد الذي إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" بالرغم من أنهم متعددو الجنسيات والديانات واللغات والثقافات، وهذا ما نراه حينما تعقد جامعتنا أمسيات ثقافية يمثل فيها الطلبة ثقافات مناطقهم المتنوعة أو كرنفال الأطعمة الدولية حيث نستمتع بأنواع متنوعة من الأطعمة والأكلات الدولية ذات مذاقات متنوعة، ونشعر بأننا ننتمي إلى أسرة واحدة و قرية واحدة وهي أسرة الإنسانية الكبيرة وقرية المحبة.

تجاربي في التعددية اللغوية
إن معرفتي باللغة العربية قد فتحت المجال أمامي واسعاً للتواصل مع العالم العربي حيث سنحت لي الفرصة لأزور دولة قطر، وأشارك في بطولة مناظرات قطر العالمية، كنا أربعة طلبة من جامعتنا وهي جامعة جواهر لال نهرو. وكانت هذه البطولة الدولية الثالثة لمناظرات الجامعات العالمية باللغة العربية الفصحى التي عقدت في الفترة من 26 إلى 29 إبريل 2015 بمدينة الدوحة، قطر، شارك فيها 68 فريقا يمثلون 33 دولة. فقد ناظرنا مع فريق قطر، والجزائر، وبولندا، وأستراليا وكزاخستان حول مواضيع سياسية وإقتصادية وإجتماعية محلية ودولية. حينما دخلنا القاعة الفخمة للمشاركة في الحفلة الترحيبية، دُهشنا بجمال المنظر وبهائه، وكانت هذه المشاركة المشتركة من 33 دولة تقدم منظرا خلابا للتسامح الطائفي والتعايش السلمي والوئام الأخوي، ها هو أفريقي وذاك هندي وتلك أوربية وأولئك عرب، كلهم يتكلمون باللغة العربية الفصحى بصرف النظر عن لغاتهم المحلية والوطنية، والمنظر الرائع كان يمثل الثقافات المتنوعة في لغة واحدة، فأعجبني هذا المنظر البهيج وترك في قلبي أثرا لن يُمحى. وحيث كانت لي فرصة سعيدة للانفتاح على عدة ثقافات وعادات، يقال " لا تحكم على الناس قبل أن تعرفهم" وهذا ما كان معي بحيث أنني كنت أحمل انطباعا خاطئاً عن العرب، تعرفنا في هذه الزيارة على الكثير من العرب لم نر فيهم تكلفا وتصنعا بالرغم من أنهم أثرياء وأغنياء، كما سنحت لى فرصة لتصحيح كثير من المفاهيم والصور المغلوطة والمشوهة التي يحملها العرب نحو الهنود، كما تعرفت أيضا على فتاة جزائرية هي الأخرى كانت تظن أن الهنود مجوس وعبدة نار وعبدة بقر وارتبط في ذهنها عبارة جنون البقر بالهنود، فقمت بازالة مفاهيمها المغلوطة بأن الهنود جميعاً ليسوا عبدة البقر بل أن بلدي يتميز بتنوع اللغات والثقافات والحضارات ويشكل المسلمون مجموعة كبيرة ومهمة يتجاوزعددهم مائتي مليون نسمة ويتمتعون بكامل الحقوق مثل سائر المواطنين، وهم يشكلون ثاني أكبر جالية إسلامية في العالم بعد إندونيسيا، فاستغربت ودُهشت وأصبحت لي صديقة حميمة، ومازلت أتواصل معها وهي تساعدني في تقوية وتحسين لغتي العربية. قضينا في قطر ستة أيام في أجواء مليئة بالنشاط والمودة والزمالة. عشنا أروع أيام في ظل مركزمناظرات قطر، ثم انتهى البرنامج وعاد الإخوان والأخوات إلى مدنهم ومناطقهم حاملين ذكريات جميلة عطرة.
وكذلك وجدت لنفسي بعض فرص العمل كمترجم عربي في عدد من المؤتمرات والمعارض الدولية، مثلاً، شاركت في السنة الماضية في المعرض الدولي للحرف اليدوية المعقود في مدينة دلهي لمدة خمسة أيام والتقيت فيه بعدة عرب من أقطار عربية مختلفة. وقد ساعد هذا التواصل في تصحيح الكثير من المفاهيم والتصورات التي كانوا يحملونها عن الهند والهنود. ولاغرو أنني أمتلك ثقة أكثربنفسي عن ذي قبل بعد تواصلي معهم .
وأخيراً أريد أن أقول إن واجبنا نحن اليوم العمل معاً من أجل حماية التنوع الهائل الذي وهبه الله سبحانه وتعالى لكوكبنا، فهذا التنوع هو مصدر الجمال والثراء، ليس الجمال في الوحدة التي بدأت العولمة تفرضها على العالم: وحدة اللغة والثقافة التي هي عبارة عن هيمنة بعض اللغات والثقافات على الأخرى، وهي حقيقةً نقيض المشروع الإلهي في التكوين. المشروع الإلهي اختار التنوع في كل شيء، تماماً كالحديقة التي كلما تنوعت أزهارها زادت رونقاً وبهاءً وجمالاً، هكذا التعدد اللغوي الذي يضفي على عالمنا جمالاً ورونقاً وثراء، وعن طريق الاطلاع على اللغات الأخرى يمكننا التواصل مع الآخرين ونتفاهم معهم. التعدد اللغوي يعزز المواطنة العالمية، وكلما كان المرء مطلعا على لغات كان حظه من التفاهم مع الآخرين أكبر. من أجل حماية الكوكب الأرضي من خطر الانقراض اللغوي والثقافي والبيئي يتحتم علينا جميعا تضافر الجهود، ومن أجل تعزيز المواطنة العالمية علينا أن نتكاتف ونقوم بتعزيز فرص تعلم اللغات حتى نتفاهم مع بعضنا البعض بشكل أحسن.